المصدر: وكالات
الأحد 11 كانون الثاني 2026 13:02:24
ألقت صحيفة "الفايننشال تايمز" البريطانية في تحقيق لها من بيروت ولندن الضوء على علاقة غير مشروعة بين "حزب الله" وكراكاس منذ كان الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يشغل منصب وزير خارجية فنزويلا.
ويستعيد التحقيق زيارة قام بها مادورو عام 2007 بزيارة لدمشق حظيت بتغطية إعلامية واسعة، التقى خلالها الرئيس السوري آنذاك بشار الأسد، وذلك في طريقه إلى طهران.
رسمياً، كان مادورو في المنطقة لتعزيز علاقات بلاده مع دول تشترك معها في العداء لواشنطن. لكن خلف الأبواب المغلقة، تقول الصحيفة إنه كان لزيارته هدف آخر: لقاء سري مع قيادي بارز في حزب الله، يُعدّ عنصرًا أساسيًا في عملياته الخارجية.
وتنسب الصحيفة إلى ثلاثة أشخاص مطّلعين على تفاصيل اللقاء، أن الاجتماع الذي لم يُكشف عنه سابقًا تم في أحد فنادق وسط دمشق، وشكّل أول حالة معروفة يلتقي فيها مادورو مباشرةً أحد أعضاء "حزب الله"
مراراً، اتهمت واشنطن، ولا سيما في ظل إدارات جمهورية حديثة، مسؤولين فنزويليين بالتواطؤ مع حزب الله في عمليات تهريب مخدرات وأنشطة مالية غير مشروعة، فيما خضع عدد من حلفاء مادورو لتحقيقات جنائية أميركية استندت إلى هذه الصلات.
وعادت هذه العلاقات إلى دائرة التدقيق مجددًا عقب إلقاء القوات الأميركية القبض على مادورو الأسبوع الماضي في عملية جريئة نُفذت فجرًا في كاراكاس.
ويواجه مادورو اتهامات واسعة تتعلق بتهريب المخدرات. وقد مثُل أمام محكمة في نيويورك يوم الاثنين، حيث دفع ببراءته من أربع تهم، تشمل “الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، والتآمر على استيراد الكوكايين، وحيازة أسلحة.
ولا يذكر قرار الاتهام حزب الله أو إيران، غير أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال، في مقابلة أُجريت في اليوم التالي لاعتقال مادورو، إن فنزويلا “تقرّبت من حزب الله” ومن راعيه الإيراني.
وتنقل الصحيفة عن مسؤول استخباراتي وشخص آخر مطّلع على الملف، أن "حزب الله"، طوّر علاقات مع مسؤولين حكوميين في كراكاس في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، وتعززت هذه العلاقات أكثر في عهد مادورو.
وقال أحد المطلعين: "فجأة بدأت أنشطة حزب الله تتوسع: تهريب مخدرات، تبييض أموال، مخططات للحصول على جوازات سفر، أسلحة، استخبارات، وكل ذلك يتم بغطاء دبلوماسي».
ونفى حزب الله والسلطات الفنزويلية هذه الاتهامات.
غير أن تحقيقات متعددة ومؤشرات علنية تُظهر عمق هذه العلاقات، التي تطورت مع تبنّي حزب الله نهجًا “رياديًا” في أنشطة مثل تبييض الأموال وتهريب السلاح حول العالم.
وتنقل الصحيفة البريطانية عن جاك كيلي، العميل المتقاعد في إدارة مكافحة المخدرات الأميركية (DEA)، الذي ساهم في قيادة التحقيق في علاقة حزب الله بالجريمة المنظمة ضمن مشروع “كاساندرا”، إن الوكالة عثرت على أدلة تُظهر أن عناصر من حزب الله حصلوا على جوازات سفر فنزويلية، فيما قدّمت شركة “كونفياسا”، شركة الطيران الحكومية الفنزويلية، دعمًا لوجستيًا للجماعة.
وأُطلق مشروع “كاساندرا” عام 2008 للتحقيق في أنشطة تشمل تهريب المخدرات، وتهريب الأسلحة، وتبييض الأموال. وقال كيلي إن الـDEA علمت، حوالي عام 2010، بوجود شحنات كوكايين نُقلت على متن رحلات “كونفياسا” إلى دمشق، إلى جانب شحنات ضخمة من العملات النقدية.
وأضاف أن هذه الأموال كانت تُرسل لاحقًا إلى شبكات صرافة مرتبطة بحزب الله في لبنان، قائلًا: "ما كان لذلك أن يحدث من دون علم التشافيين (أنصار تشافيز)".
وفي شهادة أدلى بها عام 2012، قال روجر نورييغا، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون نصف الكرة الغربي، إن “كونفياسا” كانت تُسيّر رحلات منتظمة من كاراكاس إلى دمشق وطهران، “ما أتاح لإيران وحزب الله وشبكات تهريب المخدرات المرتبطة بهما وسيلة سرية لنقل الأفراد والأسلحة والمواد الممنوعة وغيرها”.
وتعود معظم الأدلة على الصلات بين حزب الله وفنزويلا إلى مشروع “كاساندرا”، الذي يُعدّ أحد أكثر التحقيقات الجنائية شمولًا بشأن العلاقات الدولية للحزب، رغم أن هذا التحقيق انتهى عام 2016.
لكن يبدو أن علاقات حزب الله في فنزويلا استمرت بعد ذلك.
فقد جاء في شكوى قُدمت في محكمة فيدرالية أميركية ضد منصة العملات الرقمية “باينانس” في كانون الأول/ديسمبر، أن مهرّبي ذهب ومبيّضي أموال مرتبطين بحزب الله ويتخذون من فنزويلا مقرًا لهم، قاموا بتحويل عشرات ملايين الدولارات عبر المنصة.
وردّت “باينانس” بأنها امتثلت بالكامل “لقوانين العقوبات المعترف بها دوليًا”.
كما كشف مشروع “كاساندرا” عن صلات بين مسؤول رفيع في حزب الله وتاجر مخدرات لبناني متمركز في ميديين الكولومبية يُدعى أيمن جمعة، المتهم بإدارة واحدة من أكبر وأكثر شبكات تهريب المخدرات وتبييض الأموال تعقيدًا على المستوى الدولي، شملت كولومبيا وفنزويلا.
وفي شهادته، قال نورييغا إن “فنزويلا قدّمت آلاف بطاقات الهواتف وجوازات السفر والتأشيرات لأشخاص من أصول شرق أوسطية”، وهي مزاعم أكّدها مسؤولون أميركيون سابقون ومسؤول استخباراتي لصحيفة “فايننشال تايمز”.
ويُعدّ طارق العيسمي، الحليف السابق لمادورو ونائب الرئيس الأسبق، والذي فرضت عليه الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي عقوبات، عنصرًا محوريًا في مخطط منح جوازات السفر، بحسب أشخاص مطّلعين على الملف. وقد وُجهت إليه في الولايات المتحدة لوائح اتهام تتعلق بالفساد والالتفاف على العقوبات.
وفي الوقت نفسه، أفاد محققون برصد صور لعناصر من حزب الله في فنزويلا. وقال كيلي إن الـDEA حصلت قرابة عام 2010 على أدلة موثوقة تُظهر وجود عناصر من الجماعة هناك.
وأضاف: "رأينا صورًا لمقاتلي حزب الله على أسطح المباني في جزيرة مارغريتا وهم يتدرّبون على القتال الحضري بأسلحة طويلة".
وتُعدّ جزيرة مارغريتا، وهي منطقة حرة قبالة الساحل الفنزويلي، مركزًا للنشاط المالي لحزب الله، وتضم جالية لبنانية كبيرة، بحسب مسؤول استخباراتي.
"حزب الله" ببزات عسكرية
وقال مسؤول أميركي سابق آخر إنه اطّلع أيضًا على أدلة تُظهر مقاتلين من حزب الله يرتدون بزات عسكرية في فنزويلا في الفترة نفسها.
وفي حين وصف بعض مسؤولي إدارة ترامب هذه المواقع بأنها “معسكرات تدريب”، رأى ماثيو ليفيت، المسؤول السابق في مكافحة الإرهاب لدى وزارة الخزانة الأميركية، أن هذا توصيف مبالغ فيه، قائلًا: "لحزب الله تاريخ عميق جدًا في فنزويلا… وهو لا يحتاج إلى إدارة معسكرات تدريب للحفاظ على وجوده هناك".
وفي مراحل مختلفة، لجأ حزب الله، إلى الجالية اللبنانية الواسعة في أميركا اللاتينية للحصول على الدعم، معتمدًا على شبكات عشائرية للتمويل وإخفاء الأنشطة غير المشروعة، سواء طوعًا أو تحت الإكراه.
وفي عام 2008، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على غازي نصر الدين، وهو دبلوماسي فنزويلي عمل في سفارتي بلاده في دمشق وبيروت، متهمةً إياه باستخدام منصبه “لتقديم دعم مالي لحزب الله”.
كما أشار تقرير صادر عن “المجلس الأطلسي” عام 2020 إلى أن عشيرة نصر الدين كانت واحدة من ثلاث مجموعات “متغلغلة في بيروقراطية نظام مادورو” وقدّمت حماية وموارد لحزب الله.
ووجهت وزارة العدل الأميركية عام 2020 اتهامات بالإرهاب المرتبط بالمخدرات إلى عادل الزبايار، الحليف المقرّب من مادورو، واتهمته بصلات مع حزب الله، من بينها ظهوره في مقاطع دعائية للجماعة.
وفي الوقت نفسه، ثمة مؤشرات على أن روابط حزب الله في فنزويلا لا تزال قائمة.
فقد توصلت “فايننشال تايمز” في كانون الأول/ديسمبر إلى أن حسابات عملات رقمية مقرها فنزويلا أجرت معاملات مع محافظ رقمية ارتبطت لاحقًا بتوفيق اللو، السوري الخاضع لعقوبات أميركية، والمتهم بنقل أموال غير مشروعة لصالح حزب الله، والحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وشركة مرتبطة بنظام الأسد في سوريا.
وردّت “باينانس” بنفي هذه المزاعم، مؤكدة التزامها بقوانين العقوبات الدولية.
غير أن ماثيو ليفيت قال: "نظام مادورو لا يزال قائمًا. المنظومة نفسها لا تزال موجودة ، وهي ذاتها التي يُعتقد أنها تعاونت مع حزب الله... لا يبدو واضحًا إطلاقًا كيف سيترجم ما قامت به الولايات المتحدة إلى ضربة حقيقية لحزب الله وإيران في فنزويلا».