المصدر: المدن
الكاتب: ميساء عطوي
الجمعة 30 كانون الثاني 2026 12:45:39
تحوّل التسوّق عبر الإنترنت في لبنان إلى أرض مشرّعة على الاحتيال، تُباع فيها الأوهام قبل السلع وتستنزف جيوب الزبائن بلا أي ضمانات، وبين صورة مصقولة على شاشة الهاتف وبضاعة لا تمثل ما عُرض عليها، تتسع الفجوة بين الوعود الذكية التي غالباً ما تنتهي إلى خديعة ملموسة للمستهلك، ويقع ضحية سوق رقمية بلا ضوابط فعلية أو مساءلة حقيقية.
وقد شهدت الأشهر الأخيرة سقوط عدد كبير من المواطنين والمستهلكين في فخ هذه الممارسات عبر صفحات غير ملتزمة، تقدّم عروض وهمية، لا تشبه جودتها الإعلان. وهنا، لا نتحدث عن أخطاء فردية، إنما الحديث يدور عن نمط متكرّر من التلاعب يدار على مرأى الجهات المعنية وصمتها.
ولا تبقى هذه الممارسات في إطار العموميات، إذ تعكسها تجارب مواطنين كثر وقعوا مؤخراً ضحية هذا النمط من الاحتيال الرقمي، في قطاعات مختلفة تبدأ بالملابس ولا تنتهي عند الأجهزة الإلكترونية.
ملابس لا تطابق الإعلان
كمثال حي على الاحتيال الإلكتروني، تعرّضت الإعلامية رنا وهبي لهذا النمط خلال شرائها ملابس عبر الإنترنت، "الثوب الذي وصلني لم يكن كما طلبته"، هكذا لخّصت تجربتها الأخيرة لـ"المدن" وأوضحت أنها صادفت صفحة على "إنستغرام" تعرض ملابس بصور جذابة وعروض مغرية، فتواصلت معها وطلبت قطعاً محددة من حيث الموديل والمقاس، بعد الاتفاق على التفاصيل كافة، مع تأكيد إمكانية الاستبدال في حال عدم مطابقة القياس. وفضّلت، بحسب قولها، الدفع عند الاستلام، رغم عرض الدفع المسبق عبر "الويش".
وأفادت رنا أن بعد أربعة أيام، وصلت الطلبية لتكتشف أن البضاعة مختلفة كليا عمّا تم الاتفاق عليه، من حيث الموديل والقياس واللون، "طلبت قياساً صغيراً فوصلني أكبر، واللون البني وصل بنفسجي، ونوعية الثياب رديئة"، محاولة بعدها التواصل مع الصفحة، إلا أن الاتصالات أُغلقت واقتصر الرد على رسائل غير مُجدية، ورغم وعود بالاستبدال، لم يُنفّذ أي إجراء، قبل أن تُبلّغ بأن القطعة أُعيد إرسالها من دون أن يصلها شيء، لتنتهي المحاولات بحظر حسابها بعد أسبوع كامل.
وأكدت رنا أنها تقدّمت بشكوى رسمية إلى حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، والتي تواصلت بصاحب الصفحة وأخذت الإجراءات اللازمة، وطالبته بإرجاع حقوق المستهلكة.
وبعد رفع الضحية الصوت وإعلانها إسم الصفحة على انستاغرام وهي maison-f1 توالت الشكاوى وتبيّن أن عشرات الضحايا وقعن ضحية الاحتيال، ما دفع بأكثر من ضحية للتوجّه إلى صفحة مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد للتقدم بشكوى.
استغلال أسماء وأرقام
ولا يقتصر الاحتيال الإلكتروني على قطع الملابس، إنما يمتد إلى خدمات ومنتجات يفترض أنها أكثر تخصصاً، كما تُظهر تجربة أخرى في سوق الإعلانات الرقمية.
يولا قبيسي، أفادت لـ"المدن" أنها تواصلت مع رقم ورد ضمن إعلان على منصة "تيكتوك" لبيع الستائر، ليتبيّن لاحقاً أن الرقم يعود إلى محل آخر كان معروفاً بجودة عمله، إلا أن صاحبه توفي، ليُستغل الرقم لاحقاً لاستقطاب الزبائن دون علمهم، ما أدى إلى وقوعها ضحية احتيال.
وبحسب قبيسي، جرى الاتفاق على تفصيل ستائر يفترض أن تكون عازلة للمياه، مع تأكيدات متكرّرة حول جودة القماش وحسن التنفيذ، إلا أن النتيجة جاءت مغايرة تماماً، إذ تبيّن بعد التركيب أن الستائر لا تؤمّن أي حماية من تسرب مياه الأمطار، ولا توفر العزل المطلوب، فضلاً عن أنها مصنوعة من قماش وخيوط رديئة، وذلك رغم كلفتها التي بلغت 300 دولار.
وأشارت يولا إلى أنها حاولت مراراً التواصل مع صاحب الصفحة عبر تطبيق "واتساب" لإصلاح الخلل أو استبدال الستائر، إلا أنها لم تتلقَّ أي ردّ. وأوضحت أن لجوءها إلى الشراء عبر الإنترنت يعود إلى ضيق الوقت وضغط العمل، معتبرة أن التسوق الرقمي غالباً ما يبدو خياراً أسرع وأسهل، مدعوماً بإعلانات وعروض تعزّز ثقة المستهلك وتدفعه لاتخاذ القرار بسرعة.
دفع مسبق والمنتج لم يصل
قطاع الأجهزة الإلكترونية، اتخذ الخديعة شكلاً أكثر مباشرة، حيث لا يصل المنتج أصلاً، واختفت الصفحة مع الأموال، "وقعت في فخ العروض المغرية وفوجئت بخديعة كاملة"، قالها خليل نصر، أحد المستهلكين، لـ"المدن"، مشيراً إلى أنه وقع ضحية صفحة إلكترونية على إنستغرام تعرض أجهزة إلكترونية بأسعار مخفضة، مضيفاً أنه تواصل مع البائع بعد رؤية الإعلان المغري، وتم الاتفاق على ثلاث أجهزة مع دفع كامل المبلغ عبر التحويل إلكتروني والذي يقدر بحوالي 500 دولار، غير أنّ الأجهزة لم تصل كما جرى الاتفاق عليه، فيما اختفت الصفحة المعنية بشكل مفاجئ، مع انقطاع كامل مع الجهة البائعة، واوضخ خليل أنه حاول تتبّع الصفحات والحسابات المرتبطة بهدف استرداد الأموال، إلا أنّ محاولاته لم تلقَ أي استجابة.
170 شكوى إلكترونية
وفي هذا الإطار، أشار مدير حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، طارق يونس، في حديثه إلى "المدن"، إلى تسجيل 170 شكوى تتعلّق بالتسوّق عبر الإنترنت خلال عام 2025، أُنجز منها 127ملفاً، فيما لا تزال 28 شكوى قيد المعالجة، مقابل رفض 15 شكوى لعدم توافر عنوان واضح أو صفحة إلكترونية قابلة للتتبّع واستكمال التحقيق.
وأوضح يونس أن المديرية دأبت على توعية المواطنين بضرورة التوجّه إلى الصفحات المعروفة وذات المصداقية عند الشراء عبر الإنترنت، وتجنّب الصفحات التي تظهر للمرة الأولى مدفوعة بعروض وأسعار مغرية، لافتًا إلى أن العديد من الشكاوى ترتبط بحالات غش، سواء لناحية مواصفات السلعة التي تصل إلى المستهلك، أو القياس، أو النوعية.
وأشار إلى أن حماية المستهلك تتابع هذا الملف بشكل مستمر، إذ تعمل، ضمن الشكاوى المنجزة، على التواصل مع الشركات والصفحات الإلكترونية المعنية، والقيام بدور الوسيط بين المشتكي والجهة البائعة، ما أتاح في عدد كبير من الحالات استعادة الأموال أو استبدال السلع. إلا أن المتابعة تصطدم أحيانًا بصعوبات جدّية، نتيجة تغيّر أسماء الصفحات أو أرقام الهواتف أو العناوين، أو إقفال الصفحات نهائيًا، ما يعرقل مسار التحقيق.
وأضاف يونس أن المديرية، في هذه الحالات، تتعاون مع مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية في قوى الأمن الداخلي، لطلب المساعدة في الوصول إلى الصفحات وأصحابها ومتابعة الملف بشكل مشترك، مشيرًا إلى أن هذا التعاون يفضي أحيانًا إلى نتائج، فيما يتعذّر في حالات أخرى الوصول إلى الجهة المعنية حتى من قبل الأجهزة المختصة.
وأكّد يونس أن على أي مواطن لديه شكوى تتعلّق بحماية المستهلك يمكنه التقدّم بها عبر تطبيق MOET، حيث تُسجَّل الشكوى رسمياً، ويُبلَّغ صاحبها لاحقا عبر رسالة بنتيجة المعالجة والإجراء المتخذ.
هذه الحوادث، إن دلّت على شيء، فهي تكشف هشاشة الأسواق الرقمية في لبنان، حيث بات يقع المستهلك فريسة للغش والاستغلال، بينما تنمو صفحات البيع الوهمية "على مد عينك والنظر" بلا رادع، فإلى متى سيبقى السوق رهينة هذه الفوضى والاحتيال؟