المصدر: إرم نيوز
الخميس 6 آب 2026 12:53:45
رفضت إسرائيل المقترح اللبناني بتوسيع المرحلة الثانية من "المناطق التجريبية" لتشمل بلدات مثل بنت جبيل والخيام، لكنها طرحت في المقابل مواقع أخرى، أبرزها تلة علي الطاهر، في خطوة ترى بيروت أنها تحمل أهدافا تتجاوز تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.
وكشفت مصادر سياسية وعسكرية لبنانية خاصة لـ"إرم نيوز" أن الخلاف بين الجانبين لا يتعلق بمبدأ توسيع المناطق التجريبية، بل باتجاه حركتها وطبيعة المواقع التي ستشملها.
فبينما يسعى لبنان إلى توسيع النموذج انطلاقا من المناطق التي تحتلها إسرائيل تمهيدا لانسحابها، تدفع تل أبيب نحو انتشار الجيش اللبناني في مواقع محددة، وفي مقدمتها تلة علي الطاهر، وهي تعلم أنها تعد من أكثر المناطق حساسية بالنسبة إلى حزب الله، بما قد يضع الجيش في مواجهة مباشرة مع الحزب ويحول المناطق التجريبية من آلية للانسحاب إلى أداة لإعادة رسم التوازنات الأمنية جنوبي لبنان.
توسع بشروط مختلفة
بحسب المصادر السياسية، المطلعة على سير مفاوضات روما، فإن لبنان يتمسك بأن يقتصر تطبيق المناطق التجريبية على الأراضي التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية حاليا، بحيث تنسحب منها وتسلم مباشرة إلى الجيش اللبناني، بينما تدفع إسرائيل باتجاه اختيار مواقع جديدة خارج نطاق انتشارها الحالي لتكون نموذجا أوليا، بما يسمح لها بتوسيع الحزام الأمني تدريجيا تحت عنوان تنفيذ الترتيبات الأمنية.
وترى المصادر أن جوهر الخلاف يكمن في أن إسرائيل تريد أن تتحول كل منطقة تجريبية إلى محطة تمهد للانتقال إلى المنطقة التالية، فيما يخشى لبنان أن يؤدي ذلك إلى خلق وقائع ميدانية جديدة تفرض لاحقا كأمر واقع خلال أي مفاوضات مقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه إسرائيل التأكيد على أنها لن تنسحب بالكامل من المناطق التي تعتبرها ضرورية لأمنها قبل ضمان إبعاد البنية العسكرية لحزب الله، بينما تصر بيروت على أن أي ترتيبات يجب أن تنطلق من الانسحاب الإسرائيلي الكامل، لا من إعادة رسم خريطة الانتشار جنوبي لبنان.
لماذا تلة علي الطاهر؟
لا تبدو تلة علي الطاهر مجرد مرتفع جغرافي بالنسبة للطرفين، بل واحدة من أهم العقد العسكرية في الجنوب اللبناني. فالتلة تشرف على مساحات واسعة تمتد نحو النبطية وقلعة الشقيف وعدد من الطرق الحيوية، وهو ما يمنحها أهمية استخباراتية وعسكرية كبيرة، كما أنها تقع ضمن المنطقة التي أعاد حزب الله ترتيب وجوده فيها بعد الخسائر الكبيرة التي تعرض لها على الشريط الحدودي خلال الحرب الأخيرة.
وتشير مصادر عسكرية لبنانية إلى أن إسرائيل تدرك تماما أن إدخال الجيش اللبناني إلى هذه المنطقة سيضعه في موقف شديد الحساسية؛ إذ سيجد نفسه أمام منطقة يعتبرها حزب الله جزءا أساسيا من منظومته الدفاعية الجديدة؛ الأمر الذي قد يخلق احتكاكا داخليا لا ترغب بيروت في الوصول إليه.
وتضيف أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على السيطرة على التلة نفسها، بل يتعداه إلى اختبار حدود العلاقة بين الجيش اللبناني وحزب الله، ومعرفة مدى استعداد الدولة اللبنانية لفرض ترتيبات أمنية في أكثر المناطق حساسية بالنسبة للحزب.
النبطية تدخل دائرة الضغط
ترى المصادر العسكرية أن اختيار "علي الطاهر" لم يكن صدفة، بل يرتبط بالتحولات التي شهدها انتشار حزب الله خلال الأشهر الماضية.
فبعد تراجع وجوده العسكري المباشر في عدد من القرى الحدودية، اتجه الحزب إلى تعزيز حضوره في العمق، ولا سيما في محيط النبطية، التي تحولت إلى مركز ثقل لوجستي وعملياتي وإداري، بعد تدمير أجزاء واسعة من بنيته العسكرية جنوب الحدود.
ومن هذا المنطلق، ترى المصادر أن الضغط على علي الطاهر يعني عمليا الاقتراب من النبطية نفسها، وهو ما يفسر تمسك الحزب بهذه المنطقة ورفضه أي ترتيبات قد تؤدي إلى خسارتها.
كما أن إسرائيل، بحسب المصادر، تنظر إلى السيطرة الأمنية على هذه المرتفعات باعتبارها خطوة ضرورية لمنع إعادة بناء البنية العسكرية للحزب، وإبقاء تحركاته تحت رقابة دائمة.
اختبار صعب أمام الدولة اللبنانية
وتشير المعطيات إلى أن مفاوضات روما دخلت مرحلة أكثر تعقيدا، بعدما تجاوزت النقاشات مسألة الانسحاب من النقاط المحتلة إلى طبيعة المرحلة التالية وكيفية إدارتها.
وتقول المصادر إن لبنان يحاول تجنب أي صيغة قد تدفع الجيش اللبناني إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله؛ لأن مثل هذا السيناريو ستكون له تداعيات داخلية خطيرة، وقد يهدد الاستقرار الذي تحاول الدولة الحفاظ عليه منذ وقف الحرب.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل متمسكة باستخدام المناطق التجريبية كوسيلة لاختبار ترتيبات أمنية جديدة، وربما توسيعها لاحقا نحو مواقع أخرى، وهو ما يجعل مستقبل هذه الآلية مرتبطا بقدرة الوسطاء على ردم الهوة بين رؤية لبنانية تعتبرها مسارا للانسحاب، ورؤية إسرائيلية تسعى إلى تحويلها إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع الأمني في جنوبي لبنان.