فرصة وأوراق جديدة للدولة ... هل توظّفها؟

إذا كان للاعتبارات الخارجية أيّ تأثير فاعل في الظروف الراهنة، وهي كذلك دوما بالنسبة إلى لبنان، فإن في يد الدولة اللبنانية أوراقا مهمة يمكنها أن تضغط بها أو توظفها وتستفيد منها، بحيث لا تفوّت على نفسها الفرصة التي أتيحت فور تأليف الحكومة العام الماضي، من أجل حسم الموقف الرسمي من حصرية السلاح، بدل انتظار موعد 5 آب.

الظروف الراهنة، عطفا على التطورات الأخيرة في فنزويلا بما تعنيه من تداعيات بالنسبة إلى إيران و"حزب الله" من جهة، وعطفا على تدحرج التطورات الدراماتيكية في طهران، حيث تسعى السلطة إلى تجاوز القطوع المتجدد مرة أخرى لتأجيل المتوقع، هذه الظروف ليست إلا مناسبة وفرصة للبنان. ففي الحالين ليست إيران في أفضل وضع، حتى لو تشددت إعلاميا وسياسيا في موضوع سلاح الحزب، فيما لا عذر للدولة اللبنانية لعدم الاستفادة من هذه العناصر، علما أنها ليست عناصر يتيمة.

والواقع أن العزم الذي عاد به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل العملية العسكرية الأميركية ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ينضح بكل العوامل التي يمكن أن تستقوي بها إسرائيل من أجل الدفع بأجندتها في شأن لبنان. لا يستطيع الحزب ومعه إيران تجاهل ذلك الربط الذي أقامه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بين إطاحة مادورو والتخلص من خلفية داعمة للحزب وإيران، والأمر نفسه انسحب على موقف وزير الدفاع الأميركي، وهما من المقربين من دونالد ترامب، فيما باتت المواقف الأميركية المعلنة تكتسب في المرحلة الراهنة أبعادها الحقيقية والفعلية أكثر من أيّ وقت مضى، بمعنى أنها ليست مواقف عابرة أو مبدئية بمقدار ما هي تنفيذ لسياسات فعلية.

وتعتقد مصادر ديبلوماسية أن كل المؤشرات لا تتيح لإيران الرهان على شراء الوقت حتى موعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني المقبل، حيث يُحتمل بحسب بعض القراءات وفي ضوء مراقبة السياسة الأميركية الداخلية أن تصح الرهانات على خسارة الجمهوريين الكونغرس، وهو ما يمكن أن يضعف ترامب الذي كشف تخوفه  من هذه الخسارة التي قد تعني محاولة عزله.

ومع أن فنزويلا ربما تكون مختلفة كثيرا عن إيران بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بمقدار ما يعني ذلك أن واشنطن لن تقوم بعملية عسكرية لإطاحة النظام الإيراني، فإنها ستستفيد في المقابل من الزخم الترامبي لحمل إيران على اتخاذ القرار المناسب وعدم الإغراق في تضييع الوقت حتى إضعاف ترامب أو نهاية ولايته.

توازيا، تملك السلطة اللبنانية راهنا أوراق قوة ليست بقليلة، مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لبيروت، والتي قد لا تتعدى عملانيا الموعد التقليدي لزيارات المسؤولين الإيرانيين الذين يقصدون لبنان كل شهرين أو ثلاثة من أجل إظهار مدى قدرتهم على امتلاك ما أمكن من الورقة اللبنانية، وتمرير الرسائل إلى الولايات المتحدة بهذا المعنى. فمن حيث التوقيت الذي يقع قبيل الانتظار الكبير للخطوة التالية للسلطة في ملف حصرية السلاح، تبدو الرسائل التي يمكن أن تبلغ إلى طهران مهمة جدا، في حين تنهال الرسائل الإسرائيلية المقابلة على لبنان. في المقابل، لدى السلطة أوراق مؤثرة مشفوعة بالعزم الخارجي المستمر على المساعدة ودفع الأمور قدما وعدم ترك الوضع اللبناني يتأثر أو يتفاعل مع سلبيات محيطه المباشر، سواء كان هذا المحيط سوريا أو غزة أو اسرائيل.

لم تعد إيران ولا الحزب يمتلكان المنطق المتماسك الذي يبرر الاحتفاظ بالسلاح، أيا تكن أسباب ذلك. فمضمون هذا الموقف وهذا الخطاب أضحى فارغا كليا من جهة، ومكلفا جدا للبنان واللبنانيين من جهة أخرى، بحيث يصعب هضم تداعياته المستمرة على لبنان. فيما يمكن إيران قراءة ردود الفعل الباهتة من أصدقاء فنزويلا على اعتقال رئيسها، تماما كما كان رد الفعل على سبيل المثال على سقوط ديكتاتوريين من أمثاله في أحدث نسخة عانتها إيران بالذات، وهي سقوط نظام بشار الأسد من دون أن يرف جفن من جفون حلفائه وداعميه التاريخيين.

يمكن لبنان أن يضع الأوراق على الطاولة صراحة وعلنا، مع زيارة عراقجي، وتحديد إطار العلاقات المستقبلية بين البلدين في ضوء الواقع الجديد، وخصوصا أن أي علاقات طبيعية مع لبنان محكومة بأمرين: انتهاء العقوبات الدولية على طهران، وامتناعها عن تمويل "حزب الله" وانتهاك السيادة اللبنانية، وأي أمر آخر لن ينجح حتى لو غلف عراقجي زيارته بوفد اقتصادي، وما يقل عن ذلك سيكون في خانة رئيس الجمهورية والحكومة معا.