المصدر: المدن
الكاتب: حسين سعد
الخميس 9 تموز 2026 11:44:15
قبل حوالي مئتي عام، كانت قرية فرون عبارة عن حارتين متلاصقتين: حارة الحاج حسين المقداد، وحارة النصارى. لم تبق في الحارتين القديمتين، سوى بعض الجدران المتفرقة ومئذنة المسجد التي انفصلت عن قاعدته.
إبادة منازل فرون الحديثة والمزخرفة والقديمة العهد المبنية بحجارة مقالعها الصوانية، تم تعميمها على كل حارات البلدة الغارقة في الصمت، حداداً على الشهداء وجنى الأعمار.
فبلدة فرون، الواقعة عند كتف وادي الحجير، بمحاذاة مجرى نهر الليطاني، الذي يفصلها عن قعقعية الجسر، تحولت من قرية وادعة، تغل أرضها احتياجات أهلها من مأكل ومشرب، إلى بلدة تقصدها يومياً القنوات العالمية والمحلية الإخبارية، ليس فقط لإظهار ما اقترفه جيش الاحتلال الإسرائيلي من تدمير للحياة فيها، إنما لاستكشاف صيغة وحقيقة ما سمي بالمنطقة " التجريبية" إلى جانب جارتها زوطر الغربية، ضمن بنود اتفاقية الإطار بين الجانب الرسمي اللبناني، وجانب الكيان الإسرائيلي.
العودة إلى فرون رغم الدمار
لم يعد العدد الأكبر من أهالي فرون، البالغ عددهم أكثر من ألفي نسمة، إلى ربوعها وفيئها. اقتصرت العودة على أقل من عشرين بالمئة من أهلها، استقروا في منازل متبقية قابلة للسكن في الحد الأدنى، وداخل غرف المدرسة الرسمية، التي بدورها تحتضن بلديتها، بعدما دمر مبنى البلدية بالكامل.
على جانبي الشارع الرئيسي الممتد من بلدة الغندورية، في قضاء بنت جبيل، وهي الأخرى نالت نصيباً مماثلاً من الهمجية الإسرائيلية، وصولاً إلى تخوم وادي الحجير، حيث تتمركز آلية للجيش اللبناني، من فوج التدخل السريع، تستلقي منازل وبيوت ومحلات، قلبتها الغارات الإسرائيلية رأساً على عقب.
غابت عن هذا الشارع الفسيح، ملاحم القصابين المتخصصة ببيع لحوم الماعز والغنم، التي تشتهر بها البلدة، ونيران مواقد الخبز المرقوق والمناقيش على الصاج، ولافتات بيع العسل والقريشة والصعتر وشراب البندورة والسمسم، وكل ما يخطر بالبال من مونة بلدية، تشكل مصدر رزق أساسي لغالبية العائلات الفرونية.
مع ساعات مساء الأمس، رجع الشهداء إلى أرضهم في فرون، التي تشكل مخرزاً في عيون جنود جيش الاحتلال في القنطرة وديرسريان وعدشيت القصير، بعد غيبة قسرية- حيث دفنوا خارج القرية كودائع.
في وسط فرون المدمر، احتشد المستقبلون من أبنائها المقيمين فيها، والنازحين في جوارها، ممن دمرت منازلهم بالكامل. حملوا صور الشهداء العشرة، وباقات الورد، التي نثروها مع الأرز على النعوش، بينما رفعت فتيات لافتات: كتب على بعضها" لن نترك الساح" وسط وجود لافت للجيش اللبناني في محيط المكان.
حملت صبية من آل رمضان متشحة بالسواد، صورة أحد أقاربها الشهداء، وقد جاءت لملاقاتهم والتقاط الصور للمشهد الجنائزي.
وقالت لـ"المدن": جئنا من مكان نزوحنا الاضطراري بفعل خسارة منزلنا، للترحيب بالشهداء، الذين أعطونا العزة، وللتأكيد بالسير على دربهم مهما كلف الأمر. فبلدتنا لن تكون منطقة تجريبية، ستبقى حرة محررة.
ذهب الشهداء إلى لحودهم، بجانب آخرين سبقوهم، وعاد الأهل كل إلى مكان سكنه خارج البلدة. وبقيت الأنظار متجهة إلى بند تنفيذ المنطقة التجريبية في فرون، التي تدخل إلى الآن في مخاض عسير، خصوصاً أن فرون لا ينطبق عليها مثل هذا البند. فالبلدة محررة بالكامل، ولم يطأها جنود الاحتلال المتربصون في تلال القنطرة التي تحولت إلى أكوام من التراب الناجم عن تفجيرات زلزالية أقدم عليها الجيش الإسرائيلي منذ فترة.
داخل المدرسة الرسمية في فرون، تستقر 22 عائلة فقدت منازلها، وإلى جانبهم عائلة البلدية، التي فقدت بدورها مقرها، نتيجة الغارات.
بزي: تضحيات فرون كبيرة
يشرح رئيس البلدية حسن بزي أحوال البلدة. ويقول لـ"المدن" إن فرون بقيت وستبقى عصية على الاحتلال بصلابة أهلها ومقاوميها. ويضيف: قدمت فرون في حرب عام 2026، أحد عشر شهيداً دفاعاً عن الأرض، بينما دمر جيش الاحتلال 220 وحدة سكنية تدميراً كاملاً، وأكثر من ستين وحدة تدميراً جزئياً، ووألحق اًأضرار في باقي المنازل، إلى جانب تدمير مسجدين وشبكات المياه والكهربا والطرقات، وإيضاً إلحاق خسائر كبيرة في الثروتين الزراعية والحيوانية. وهاتان الثروتان تشكلان العمود الفقري الإقتصادي والمعيشي للأهالي، بحيث يعمل أكثر من 80 بالمئة منهم في القطاع الزراعي، لا سيما زراعة الزيتون والتبغ والحبوب والخضار البعلية وتربية المواشي والنحل، الذي ينتج موسمياً أطناناً من العسل المميز .
المقاددة: من لاسا إلى فرون
إضافة إلى فرادتها في موقعها الجغرافي الذي يربط منطقتي النبطية بمنطقتي بنت جبيل وصور، تروى في فرون قصة عن عائلة من أصول جبيلية، حطت رحالها في القرية قبل قرابة مئتي عام، وتشكل حالياً أكبر العائلات في البلدة.
يتحدث كبار السن، وأيضاً المهتمون بنواحي الحياة العامة في فرون، بشكل مسهب عن حكاية قدوم الحاج حسين المقداد من لاسا، في قضاء جبيل إلى زوطر الشرقية، ثم إلى فرون التي استقر فيها وأنجب ستة من الذكور وخمسة من الإناث من زيجات متعددة.
كانت فرون إلى عقود خلت، يتقاسم أرضها آل المقداد وآل شاهين، قبل أن يباع القسم الأكبر منها لعائلات قدمت على التوالي إلى فرون وصارت من نسيجها الإجتماعي والثقافي والعمراني.
كان لدى الحاج حسين مقداد، ستة أبناء، أحدههم عبدالله، الذي أنجب عائلة، عمل على تعليمها، منهم المربي المتقاعد علي عبدالله المقداد 75 عاماً.
يروي المقداد الحفيد بشغف سيرة قدوم جده الحاج حسين إلى فرون، التي كانت مجموعة من المزارع في عهد الاحتلال العثماني شبه خالية من السكان.
ويؤكد المقداد لـ"المدن" أن جده حسين لم ينتقل إلى الجنوب اللبناني على خلفية ضائقة اقتصادية ومعيشية أو بهدف الزواج، إنما لسبب آخر يتعلق بالمشاكل العائلية المتوارثة حتى يومنا هذا في بلدة لاسا، وأن أول ترحاله كان في بدايات العام 1800. إذ حط في بلدة زوطر الشرقية المواجهة لقرية فرون، حيث انتقل إليها في وقت لاحق، بعد فترة من مكوثه في زوطر.
ويقول المربي المقداد: "كان جدي رجلًا ثريًا وغنياً، فعرض عليه العثمانيون شراء ثلاث مزارع في المنطقة، مقابل دفع الوركة، وهي ضرائب كانت تستوفيها السلطات العثمانية، فاشترى مزرعة فرون، وهي أراض خصبة، حيث عمل لديه الفلاحون "مرابعة" أي أن الفلاح يأخذ ربع المحصول، مقابل عمله في الحراثة والزرع، بينما يحصل هو على الثلاثة أرباع.
ويتابع المقداد أن جده اقترن- تزوج، من فتاة فائقة الجمال من قرية نيحا القريبة من فرون، من آل الأمين، وقد ذاع صيت جمالها في المنطقة، فدفع مهرها مئة ليرة ذهبية، ولكنه لم ينجب منها أطفالًا.
ويضيف أن علي بك فواز من بلدة تبنين، وكان من النافذين، سمع عن جمال هذه المرأة، فأرسل مجموعة من رجاله لجلبها، بيد أنه لم يتمكن من ذلك وقتل بعدها على يد العثمانيين، داخل فلسطين.
وبعد هذه الحادثة بحسب المربي المقداد، صار يفكر جده بكيفية وطريقة حماية زوجته، فتواصل مع بعض المسيحيين في صور، والذين كانت تربطهم علاقات طيبة ووطيدة بالعثمانيين، ومقابل تلك الحماية حصل المسيحيون على نصف الأراضي التي يملكها في فرون، وحاليًا يوجد حارة في وسط البلدة القديمة تسمى "حارة النصارى" سكن فيها العديد من آل الأبطي، وأن توفيق شاهين من النبطية شقيق النائب الأسبق الراحل رفيق شاهين، كان يأتي لزيارة خاله "الأفندي" داوود غندور في بلدة الغندورية، توأمة فرون، فعمد إلى شراء نصف الأراضي من المسيحيين لابن أخته.
ويفيد علي المقداد "أبو حسين" أن جده حسين أنجب ستة شبان، بعضهم كانوا من علماء الدين- مشايخ، وخمس بنات من ثلاث زيجات، وكبيرهم من الشباب كان الشيخ محمد علي المقداد، وكان أولاده جميعاً يملكون أراضي، لكنهم لا يملكون النقود، فاضطروا إلى بيع الأراضي تباعًا "للفلاحين" وأن والدي المرحوم عبدالله قد باع الأرض لتعليمنا في مدارس النبطية في منتصف خمسينيات القرن الماضي".
ويذكر المقداد أن آل المقداد، انتقلوا من لاسا إلى البقاع، في فترة المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى، واستقروا في بلدة "مقنة" التي تضم حاليًا أكثر من 85 بالمئة من سكانها من آل المقداد، كما تقطن في النبطية ثلاث عائلات مقدادية منذ أكثر من ستين عامًا.
كما يذكر محمد " أبو باسم" 74 عاماً، نجل المرحوم أحمد، ابن الحاج حسين المقداد، أن فرون، كانت عبارة عن حارتين متجاورتين، حارة جدي الحاح حسين، وحارة النصارى، وفيها بئر تعرف ببئر النصارى.
وأكد لـ"المدن" أن الأراضي في فرون كانت شبه مناصفة بين آل المقداد وآل شاهين الذين اشتروا الأراضي من آل الأبطي المسيحيين. ويتقاطع " أبو باسم" مع ابن عمه المربي علي المقداد، لناحية سرد واقعة قدوم جده من لاسا في جبيل إلى فرون في الجنوب، وأيضاً زواجه من امرأة من آل الأمين خارقة الجمال، ثم زواجه ثلاث مرات، وانجابه 11 ولداً.