المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان
الأحد 6 أيلول 2026 14:18:12
سئم المواطنون من الدوران في الحلقة المفرغة لأزمة فواتير المولّدات الخاصة، والتي تنتهي بالرضوخ لما يسجّله أصحاب المولّدات، رغم الكثير من الاعتراض الذي لا يُتَرجَم تغييراً لواقع الحال. ويشهد ملفّ ارتفاع الفواتير جدلاً واسعاً منذ سنوات، لكن ما أفرزته الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر الليرة، جعلَ المشكلة أعمق والجدل أكبر، لكن النتيجة بقيت نفسها: لا حلّ.
ومع ذلك، تؤكّد الوزارات المعنية أنّها تقوم بدورها لتحديد التعرفة الشهرية والتأكّد من التزام أصحاب المولّدات. وأبعد من ذلك، يتم تسطير محاضر ضبط، وأحياناً يكون القرار مصادَرة المولّد من صاحبه وتسليمه للبلدية. لكن الأزمة على حالها. فأين الحل؟.
طريقة تحقيق الأرباح
أتت فواتير المولّدات لشهر آب الماضي، ضمن سياق الارتفاع المستمر. إلاّ أنّها حملت "نكهة" استياء خاصة، لأنّ التعرفة التي اعتمدتها وزارة الطاقة، غذّت ارتفاع أرقام الفواتير. في حين أنّ ذريعة ارتفاع أسعار النفط عالمياً، شكّلَت سنداً قوياً لأصحاب المولّدات، لتبرير عدم التزامهم بتعرفة الوزارة.
وفي سياق البحث عن كيفية تحقيق الأرباح، يستعرض اللبنانيون ما يمكن أن يخطر ببالهم من فنون "التحايل" التي يلجأ إليها بعض أصحاب المولّدات، وصولاً إلى الوضوح الذي يعتمده البعض الآخر، أي اعتماد تعرفة خاصة من دون مواربة. وبعض الاحتمالات تتعلّق بآليات عمل المولّدات، وعلى سبيل المثال، يقول البعض أنّ أصحاب المولّدات يرفعون قوّة الكهرباء، أو يزيدون سرعة المولّد. وفي الحقيقة لا يوجد رابط فعلي بين هذه العملية وزيادة الاستهلاك، فالعدادات السليمة لن تسجّل استهلاكاً إضافياً غير موجود. لكن يمكن للجهد المنخفض دفع الأجهزة الكهربائية إلى محاولة سحب تيار أكبر للحفاظ على كفاءتها، مما يساهم في زيادة الاستهلاك. وفي الوقت عينه، تبقى العدادات غير السليمة، ثغرة يمكن المرور عبرها لزيادة الاستهلاك. فبعض أصحاب المولّدات يعمدون إلى تركيب عدادات غير سليمة، أو توصيلها بطريقة خاطئة، فتؤدّي إلى تسجيل قراءة أعلى من الاستهلاك الحقيقي.
وأصعب من ذلك، لا يزال الكثير من أصحاب المولّدات خارج أي التزام يطال تركيب العدادات. وهؤلاء يضعون تسعيرتهم الخاصة البعيدة من تسعيرة وزارة الطاقة والنقاش حول الالتزام بها أو عدمه. والمفارقة أنّ بعض هؤلاء يعملون ضمن نطاق بيروت الإدارية؛ أي في المناطق التي يفترض أنّها تحت سلطة القانون بشكل مباشر. ولذلك، فإنّ سبل تحقيق الأرباح كثيرة، ولا تنحصر بالتحايل التقني. فعدم تركيب العدادات واللجوء إلى التقنين، تُعدّ من أهم أساليب الربح غير المشروع الذي يتمّ جنيه على مرأى الوزارات المعنية والقضاء.
ليست أزمة حسابية
حملت فواتير المولّدات لشهر آب أرقاماً كارثية، باتت معها الـ 100 دولار أهوَن الشرور. فبعض مشتركي قدرة الـ5 أمبير في بيروت الإدارية، دفعوا فاتورة تتراوح بين 150 و200 دولار. وفي الجنوب، تراوحت الفاتورة للقدرة نفسها، بين 100 و150 دولار. على أنّ ارتفاع قدرة الأمبير، يجعل الفاتورة أعلى.
وبالتوازي مع ذلك، لم يلتزم الكثير من أصحاب المولّدات بتعرفة وزارة الطاقة التي حدّدتها بـِ 48241 ليرة للكيلوواط في المناطق التي يقل ارتفاعها عن 700 متر، و53065 ليرة في المناطق التي يزيد ارتفاعها عن 700 متر. فبعض أصحاب المولّدات اعتمدوا التسعيرة الأعلى رغم أنّهم في المناطق التي يقل ارتفاعها عن 700 متر، والبعض الآخر اعتمد تسعيرة مضاعفة، وأحياناً أخرى أعلى بكثير. وعلى سبيل المثال، اختار البعض في البقاع اعتماد تعرفة بين 1.20 دولار و1.40 دولار. ولم تقتصر المخالفات على أصحاب المولّدات، بل وصلت إلى بعض البلديات التي تدير المولّدات الخاصة ضمن نطاقها، فاعتمدت تعرفة أعلى من تعرفة وزارة الطاقة، ووصل بعضها إلى 70 سنت للكيلوواط.
ومع الفارق الكبير في التعرفة، لم تعد أزمة فواتير المولّدات الخاصة أزمة حسابية تتعلّق فقط بالأرقام، لأنّ الالتزام بتعرفة الوزارة وحده لا يحلّ الأزمة. فهذه التعرفة ترتفع دورياً ولا يمكن ضبطها بشكل وثيق لأنّها ترتبط بقطاع غير رسمي ولا يمكن التغاضي عن تحديد تعرفته، وإلاّ ستكون الوزارة أمام تهديد أصحاب المولّدات بقطع هذه الخدمة عن المواطنين، ما لم تعجبهم التعرفة. كما أنّ ارتباط التعرفة بشكل رئيسي بأسعار المحروقات، يجعل منها أداة ضغط على المواطنين.
وعليه، فإنّ التفكير خارج الصندوق بات ضرورياً. أي إيجاد حلّ جذري لا يقف عند تعديل تعرفة هنا أو محضر ضبط هناك. وفي السياق، تعود الأنظار إلى أصل المشكلة، وهي غياب التغذية الكهربائية التي تنتجها مؤسسة كهرباء لبنان، فهي التي عزّزت قطاع المولّدات الخاصة وجعلته المنفذ شبه الوحيد للكهرباء، لا يخرقه سوى بضع ساعات من كهرباء لبنان. وبالتالي، لا يلغي الإلتزام بالتعرفة ضرورة كسر هيمنة أصحاب المولّدات الخاصة على سوق إنتاج وتوزيع الكهرباء. أمّا إعلان مؤسسة كهرباء لبنان عدم قدرتها على تأمين التمويل المطلوب لشراء الفيول الكافي لتعزيز القدرة على إنتاج الكهرباء، أو عدم قدرتها على إزالة التعديات، فهذا يعني الاستسلام لواقع الحال. مع أنّ المولّدات الخاصة تستعمل أعمدة الكهرباء التابعة للمؤسسة، من دون مسوِّغ قانوني أو بدل مادي. ومن دون إعادة الاعتبار لمؤسسة الكهرباء وتشكيلها منافَسة فعلية للمولّدات الخاصة، لناحية عدد ساعات التغذية وكلفتها، فإنّ نقاش تحليق أرقام الفواتير سيتفاقم بلا حلول. علماً أنّ زيادة ساعات التغذية الرسمية، مع انتشار أنظمة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، يمكنه أن يصبح بديلاً مناسباً للمولّدات الخاصة، سواء للأفراد أو المؤسسات.
أصبح البحث عن التزام أصحاب المولّدات الخاصة، بحثاً عقيماً. فالنفوذ السياسي وترهلّ أجهزة الدولة وإداراتها ومؤسساتها، يغذّي سيطرة أصحاب المولّدات وأرقام فواتيرهم. ولذلك، فإنّ الحلّ يكمن في تقليص دور المولّدات في حياة الناس اليومية. وإلى حينه، ستبقى الأرقام الخرافية لفواتير المولّدات، تستنزف جيوب المواطنين.