في القرارات السياسية… هل فعلا عوكر مثل عنجر؟

في خضم الجدل السياسي المتصاعد في لبنان، عاد إلى الواجهة سؤال حساس يحمل في طياته أبعادًا تاريخية وسياسية عميقة: هل يمكن مقارنة عنجر بعوكر؟ وهل فعلا انتقل القرار السياسي في لبنان من وصاية إلى أخرى، أم أن المقاربة بين الحالتين تفتقد إلى الدقة والموضوعية؟

فعنجر، في الذاكرة السياسية اللبنانية، لم تكن مجرد مقر أمني سوري خلال فترة الوصاية، بل تحولت إلى رمز لإدارة الحكم في لبنان، من تعيين الرؤساء والوزراء والنواب، إلى إدارة الأجهزة الأمنية والقضائية بما يتناسب مع مصالح النظام السوري الأسدي وحلفائه. ومن غازي كنعان إلى رستم غزالة، كانت عنجر للأسف مركزًا لصنع القرار اللبناني، في مشهد طبع الحياة السياسية لسنوات طويلة.

ولا يزال كثيرون يستحضرون تلك المرحلة بما حملته من ممارسات أمنية وسياسية، من توقيفات وسجون وترهيب واتهامات طاولت نشطاء وخصومًا سياسيين، إضافة إلى اتهامات بالتدخل في القضاء والأمن والحياة الاقتصادية، وحتى في ملفات مالية ومصرفية أثارت جدلا واسعًا في تلك الفترة. لذلك، تحول اسم عنجر بالنسبة إلى شريحة كبيرة من اللبنانيين إلى رمز للوصاية السورية والتدخل المباشر في شؤون الدولة.

ومن هنا، أثار الكلام المنقول عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، حول "الانتقال من عنجر إلى عوكر"، نقاشًا سياسيًا واسعًا، رغم نفي مكتبه الرسمي لصدور هذا الموقف، فالسؤال الذي طرح لم يكن تفصيلا عابرًا، بل يرتبط بطبيعة الدور الخارجي في لبنان، وبمدى تأثيره في القرار الداخلي.

إلا أن المقارنة بين عنجر وعوكر، بحسب كثيرين، تبقى مقارنة غير متوازنة، فعوكر هي سفارة دولة تعلن دعمها للبنان من خلال المساعدات والمبادرات الدبلوماسية والجهود الرامية إلى وقف الحرب وإعادة الإعمار، من دون أي وجود أمني أو عسكري مباشر يدير المؤسسات اللبنانية أو يفرض وصاية عليها.

وفي هذا السياق، أكد الوزير السابق رشيد درباس في حديثٍ مع "نداء الوطن" أن "عنجر كانت ترمز إلى معادلة فرضها وجود نحو خمسة وثلاثين ألف جندي سوري على الأراضي اللبنانية، إضافةً إلى موقع سوريا الجغرافي المحيط بلبنان شرقًا وشمالًا، ما جعل قراراتها وإملاءاتها قابلة للتنفيذ المباشر داخل الدولة اللبنانية".

أما في ما يتعلق بعوكر، فأوضح أن "علاقتها بلبنان ترتبط بمدى قدرة الولايات المتحدة على لجم الجموح الإسرائيلي، وعلى المساعدة في الوصول إلى قرار إسرائيلي بوقف الحرب على لبنان"، مشيرًا إلى ما أعلنه السفير الأميركي مؤخرًا حول أن إسرائيل "لن تتملك أو تسيطر على شبر واحد من الأراضي اللبنانية".

وشدد درباس على أن "لبنان لا يملك وسيلة لإخراج إسرائيل سوى التمسك بموقف وطني موحّد، وعدم المبالغة في الارتهان للعلاقات الدولية أو حتى للعلاقات الأخوية"، معتبرًا أن "لبنان دفع كثيرًا نتيجة هذه الاصطفافات والتشابكات الخارجية، وأنه آن الأوان للخروج من المقارنات والانقسامات التي استنزفته لسنوات".

أضاف أنه لا يعارض تطوير العلاقات مع الدول الخارجية، إلا أن القرار النهائي يجب أن يبقى بيد الدولة اللبنانية نفسها، وأن يقرّر لبنان ما يناسب مصلحته الوطنية، مؤكدًا أن ذلك يتطلب أولا وجود ائتلاف وطني جامع حول قرارات الحكومة.

وختم درباس بالإشارة إلى أن الانقسام الداخلي والهجوم المستمر على قرارات الدولة يشكلان الثغرة الأساسية التي ينفذ منها الخارج إلى الداخل اللبناني، محاولا التمدد بين مفاصل الدولة ومؤسساتها.

وبين من يرى في عوكر دورًا دبلوماسيًا داعمًا للاستقرار، ومن يخشى تنامي التأثير الخارجي في القرار اللبناني، يبقى الثابت أن اللبنانيين يتطلعون إلى دولة قادرة على صنع قرارها بإرادتها الحرة، بعيدًا من أي وصاية أو تبعية، وبما يحفظ سيادة لبنان ومصلحة شعبه أولا وأخيرًا.