المصدر: المدن
الكاتب: لوسي بارسخيان
الأحد 5 نيسان 2026 15:00:38
مرت ساعات على إعلان إسرائيل نيتها استهداف المنطقة الحدودية الفاصلة بين لبنان وسوريا، من دون أن تنفذ تهديدها حتى الآن، وهو ما أبقى على حالة الترقب التي تشهدها المنطقة، بعد بلبلة واسعة أثارها إنذارها منذ العاشرة ليلًا وحتى ساعات الصباح الأولى.
في جولة لـ"المدن" صباح اليوم الأحد في منطقة المصنع، كانت الإجراءات الاحترازية لا تزال سارية. إلا أن الجهاز الجمركي واجه صعوبة في تفريغ باحة الدخول إلى لبنان، لتمكين الشاحنات المتواجدة على مقربة من المنطقة المهددة من الدخول إليها.
وكانت هذه الشاحنات قد رُكنت من دون أصحابها حتى نهاية العطلة الرسمية، ما جعل تأمين الحماية لأكثر من مئة شاحنة لا تزال مركونة على الطريق الحدودية متعذراً، وفق ما أفاد به مصدر في نقابة أصحاب شاحنات النقل.
واستهداف منطقة المصنع، وتحديدًا في المسافة الحدودية الفاصلة بين مركز الأمن العام اللبناني ومعبر جديدة يابوس السوري، ليس الأول الذي يشهده لبنان، بل تكرّر الأمر منذ حرب تموز 2006 وخلال الموجة الأولى من الحرب الأخيرة في العام 2024، حيث استُهدفت هذه الطريق في مكانين منفصلين وقُطِعت الطريق بشكل تام أمام السيارات والآليات.
ولكن حتى ليل أمس السبت، بدت المسافة الحدودية الفاصلة بين سوريا ولبنان بمنأى عن الاستهداف، خصوصًا أن مجمل منافذ لبنان البرية فقدت وظيفتها الأمنية بالنسبة لحزب الله، منذ سقوط نظام بشار الأسد وخسارته العمق الاستراتيجي داخل سوريا كجسر لإمداداته اللوجستية الأساسية، ما جعله أمام حدّ مغلق.
وعليه، جاء الإنذار مفاجئًا حتى لسوريا، التي أظهر نظامها الجديد في ظل إدارة الرئيس أحمد الشرع تشددًا في مراقبة حدودها المشتركة مع لبنان، ورفعت من منسوب إجراءاتها الأمنية خلال موجة الحرب المتجددة تحديدًا.
معبر مخصص للمدنيين
وقد أظهرت سوريا حذرًا حتى في استضافة المدنيين الذين توافدوا عبر هذا المعبر بالذات لدى اندلاع الحرب، بل كشفت قبل أيام عن ضبط أنفاق ممتدة من أراضيها ومعابرها غير الشرعية إلى شمال البقاع، كان حزب الله يستخدمها وفقًا لما نشره للتهريب أو لتأمين الإمدادات اللوجستية.
أما في ما يتعلق بمعبر المصنع تحديدًا، فقد أكدت السلطات اللبنانية الرسمية خضوع حركة العبور فيه لتدقيق كبير. كما كشف مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية، مازن علوش، لـ"المدن"، أن معبر جديدة يابوس المتصل بالمصنع مخصص حصريًا لعبور المدنيين، مشددًا على أنه لا يُستخدم لأي أغراض عسكرية، ولا توجد فيه أي مجموعات مسلحة أو ميليشيات، كما لا يُسمح باستخدامه خارج الأطر المدنية والقانونية المعتمدة.
وهو ما يطرح السؤال عن الأهداف الحقيقية للاعتداء على هذا المرفق العام الأبرز في لبنان عند نقطة المصنع، خصوصًا أن الأخير بقي حتى ما قبل التهديدات والإنذار الوحيد الذي يؤمّن تدفق المواطنين كما البضائع بين لبنان وسوريا، ومنها إلى المحيط العربي. وبالتالي، فإن تعطيل هذا المعبر يحمل مخاطر عرقلة وتعطيل حركة المرافئ في لبنان، وحركة الترانزيت منها إلى سوريا.
هذا بالإضافة إلى ما تفرضه التحذيرات، حتى لو لم يقع الاعتداء فعليًا، من حصار بري خانق على لبنان، خصوصًا أن معبر القاع، الذي جرى تصنيفه منذ العام 2022 فئة أولى، ليس مجهزًا من الجانب اللبناني بعد لاستقبال البضائع، بينما معبري الدبوسية والعريضة يعانيان التعطيل منذ أشهر.
وكان لافتًا أن تستبق إسرائيل عدوانها على المنطقة الحدودية الفاصلة هذه المرة بإنذار مسبق، وتمنح هوية للطريق التي يخطط لاستهدافها، أي الـ M30، علمًا أنها الطريق نفسها التي استهدفتها في موجات عدوان سابقة ومن دون إنذار مسبق، وهي طريق تفصل سوريا عن مساحة واسعة من الأراضي اللبنانية الممتدة من البقاع الأوسط حتى أقصى جنوبه، بدءًا من مجدل عنجر والصويري، مرورًا بالمنارة، عيتا الفخار، وصولًا إلى جرود عيحا وينطا، وبالتالي دير العشاير وحلوى.
وكانت هذه المنطقة مسرحًا لنشاط التهريب لفترة طويلة، وهذا ما دفع إلى استحداث الجيش اللبناني فوج "حدود ثالث" في المنطقة، اتخذ إجراءات أمنية جدية منذ ما قبل سقوط نظام بشار الأسد.
ويشرف الجيش اللبناني على هذه المنطقة من مواقع استراتيجية له في "قرن الجاموس" و"الخلة الطويلة"، بالإضافة إلى التلة المعروفة بـ"مرتفع 1442"، الذي يطل على "تلة الفسخ" السورية، وقرى كفريابوس، جديدة يابوس، ويابوس السورية، بالإضافة إلى المرتفع 1440، الذي يقع في موقع استراتيجي لرصد حركة العبور غير الشرعية بين التلال.
حالة إرباك شديدة
وكانت الإنذارات قد تسببت بحالة إرباك شديدة في الساعات الأولى لتلقيها، بل عاشت منطقة المصنع تداعيات الغارة حتى قبل حصولها، وقد ترافق ذلك مع إطلاق رصاصات تحذيرية، بالتزامن مع إخلاء المؤسسات والدوائر الرسمية والخاصة، قبل أن يسود الهدوء لاحقًا.
فعملت مختلف الدوائر الموجودة في المصنع، وهي الأمن العام والجمارك اللبنانية ومخابرات الجيش، على إخلاء مراكزها، وعلى رغم وجود مخفر قوى الأمن خارج منطقة الاستهداف المحددة، فقد نُقل موقوفو نظارتها إلى سرية شتورا أو سجن زحلة، كما سُمح للشاحنات بإخلاء الباحة الجمركية وسُحبت في جزء منها إلى داخل الأراضي اللبنانية، ما قبل المنطقة المهددة، وعمل الدفاع المدني على نقل معداته إلى منطقة مجدل عنجر للتدخل عند الحاجة.
وتعاملت كافة السلطات اللبنانية كما السورية مع الإنذار الأخير بجدية تامة، وطلبت بلدية مجدل عنجر من القاطنين على مسافة قريبة من المنطقة المحددة للاستهداف الامتثال لكافة التوجيهات، وترك نوافذ منازلهم مفتوحة للتخفيف من تأثير قوة عصف الغارة في حال وقوعها.