قادة لبنان أمام خيار فصل الدولة عن الدويلة أو وضع سلامتهم وسلامة الشعب على المحك

يتفاعل موضوع تهريب عناصر لحزب الله مئات الكيلوغرامات من مادتي الـ"تي أن تي" (TNT) و"السي-4" (C4) شديدة الانفجار، خاصة وأنها تأتي بعد فترة وجيزة من كشف وإيقاف محاولات تهريب مئات الكيلوغرامات منها من سوريا للبنان.

ولكون الشحنة التي أوقفت في ضهر البيدر كانت متجهة من البقاع، المتاخمة للحدود السورية، إلى ضاحية بيروت الجنوبية، فهذا يعني أن هناك احتمالية كبيرة بأن مصدر الشحنة التي أوقفها الأمن الداخلي هو الأراضي السورية، ما يزيد من احتمالية وصول كميات أخرى من هذه المواد لـ"حزب الله" في لبنان، وقد تكون موجودة الآن بالبقاع أو هربت إلى ضاحية بيروت الجنوبية.

ادعاءات جهات مرتبطة بالحزب بأن هذه المتفجرات هي لأغراض مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالجنوب لا تتوافق مع نوع هذه المواد واستخداماتها. فمادة السي-4 لا تصلح لتصنيع رؤوس حربية لصواريخ أو لقذائف الهاون أو حتى لتصنيع وقود للصواريخ. فهي تصلح لشيء واحد وهو تفجير المنشآت أو الجبال (لحفر الأنفاق) أو لعمليات الاغتيال. ولـ"حزب الله" تاريخ وهو متهم من قبل أكثر من جهة لبنانية ودولية بضلوعه في عمليات اغتيال لمسؤولين. كما أن عناصر ينتمون للحزب أدينوا من قبل المحكمة الدولية باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

إيران ليست بعيدة عن الموضوع، إذ إن الحرس الثوري هو من يدير عمليات "حزب الله" اليوم ويستمر بمده بالسلاح والمال لإبقائه في محمور المقاومة ليستمر بإسناد طهران بمواجهتها المفتوحة مع أميركا وإسرائيل. ويتوقع وصول مسؤولين إيرانيين إلى لبنان لمعالجة تداعيات كشف نقل هذه المواد المتفجرة. وما اتصال وزير الخارجية عباس عرقجي برئيس الجمهورية سوى إحدى خطوات السعي لاستيعاب المشكل المستجد.

علاقة "حزب الله" وإيران برئيسي الجمهورية والحكومة تزداد سوءاً منذ يوم أخذت الحكومة قرار اعتبار سلاح "حزب الله" غير شرعي ودعت لحصره. كما أن إصرارها على مسار التفاوض مع إسرائيل يؤثر سلباً على سعي طهران للاحتفاظ بورقة السيطرة على ملف لبنان بالمفاوضات مع أميركا.

 

كما أن إصرار القيادة اللبنانية على عدم قبول أوراق اعتماد السفير الإيراني وطلب مغادرته الأراضي اللبنانية يضرب هيبة إيران ويؤثر على نشاط الحرس الثوري بلبنان. فالسفير الإيراني هو بالأصل ضابط لإي الحرس الثوري، وبلا شك يلعب دوراً بعمليات دعم أنشطة "حزب الله" في لبنان في هذا الوقت الحساس جداً لإيران التي تعتبر نفسها اليوم في حرب وجودية مع أميركا.

وللتذكير، تقرير المحكمة الدولية أشار الى أن سبب اغتيال الرئيس الحريري كان لدوره باستصدار قرار مجلس الأمن الدولي 1559والذي دعا لخروج الجيوش الأجنبية من لبنان ولحل الميليشيات على أراضيه. وهذا تحديداً ما يسعى رئيسا الجمهورية والحكومة لتحقيقه اليوم وسط معارضة الحزب وطهران.

أكبر نقاط ضعف السلطة اللبنانية هي أنها تعتبر "حزب الله" جزءاًِ منها، ما يعطي الأخير القدرة على إعاقة تحركاتها وإضعافها من الداخل. هذا التعايش القائم بين الدولة والدويلة يجعل الدولة تبدو فاشلة بالنسبة للمجتمع الدولي. فهي تأخذ قرارات تعجز عن تنفيذها، مثل سحب سلاح الحزب. وتواجه الدولة تهديدات لقياداتها وشعبها تعجز عن التعامل معها بفعالية وحزم.

 

لم يتمكن أي تحقيق بأي عمل تخريبي يعتقد أن "حزب الله" خلفه، من الوصول إلى خواتيمه بسبب نفوذ الحزب عبر الدولة العميقة. ولم تقم الدولة أبداً بمحاسبة "حزب الله" على إقحامه لبنان بحروب ضد إسرائيل واستفراده بقرار الحرب والسلم، ما أدى إلى ويلات ونكبات بحق الشعب اللبناني. وما زال "حزب الله" اليوم ممسكاِ بقرار الحرب والسلم رغم ادعاءات الحكومة بعكس ذلك، وهناك احتمال كبير بأن يقحم لبنان بحرب إسناد جديدة في الأسابيع المقبلة.

بعض قادة لبنان اليوم مهددون بالقتل ويدركون ذلك ويعرفون مصدر التهديد، ولكنهم يبدون أعجز من فعل شيء بصدد ذلك، ليس لعدم امتلاكهم أدوات القوة، بل لفقدان الإرادة باستخدامها. كما أنهم يعلمون أن الحزب سيدخل لبنان في حرب إسناد جديدة ويدركون أن مساعيهم لمنع ذلك لن تجدي نفعاً بسبب استمرار معادلة التعايش بين الدولة ودويلة "حزب الله". وكل ما تقوم به القوى الدولية لمساعدة مؤسسات الدولة من جيش وقوى أمن هي مرهونة بموضوع سحب سلاح الحزب، وهي خطوة لن تنفذ مع استمرار التعايش بين الدولة والدويلة.

آن أوان الانفصال ومواجهة العواقب قبل أن تقضي الدويلة على ما بقي من لبنان.