المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان
السبت 24 كانون الثاني 2026 01:42:02
لم يكن مشروع قانون الرواتب والتعويضات في القطاع العام الذي وضعه مجلس الخدمة المدنية، مفاجئاً للموظّفين والمتقاعدين في الأسلاك المدنية والعسكرية، بل أتى ليؤكّد المخاوف التي طرحوها سابقاً، وتحرّكوا على أساسها أكثر من مرّة في الشارع وأعلنوا الإضرابات المتكرّرة، حمايةً لرواتبهم وتعويضاتهم. والمشروع المقدّم راهناً إلى مجلس الوزراء، ولم يراعِ مطالب الموظفين والمتقاعدين، "قتلَ" أيضاً اللجنة التي اقترح رئيس الجمهورية جوزاف عون تأسيسها، للوقوف على مطالب أهل القطاع. وكما يبدو من مضمون مشروع القانون، أنّ القرار اتّخذ بمعزل عن مطالب أهل القطاع وأي محاولات توفيقية، وهذا ما يفتح الباب أمام تحرّكات اعتراضية في الشارع وإضرابات تشلّ عمل القطاع العام.
الاتجاه بخطّ واحد
في الوقت الذي اتّجه فيه الموظفون والمتقاعدون إلى الشارع للمطالبة بتصحيح رواتبهم وتعويضاتهم الحالية، كانت السلطة السياسية تسير بخطّ واحد وواضح، وهو تقليص الإنفاق على القطاع العام. أمّا مقترحات الموظّفين والمتقاعدين، فكانت تحتاج إلى إيرادات إضافية، وهو ما رفضه وزير المالية ياسين جابر في أكثر من لقاء ومناسبة، بهدف عدم تحميل الدولة المزيد من الأعباء المالية. كما تغاضى عن مقترح رئيس الجمهورية، في شهر كانون الأول الماضي، تشكيل لجنة تضمّ رابطة موظفي الإدارة العامة وتجمّع الروابط الذي يضمّ العسكريين والمدنيين المتقاعدين، بالإضافة إلى روابط التعليم. إذ أنّ القرار كان قد اتخذ، ويعلم أهل القطاع العام أنّ هذه اللجنة لزوم ما لا يلزم.
وبذلك، التقى مشروع القانون مع توجّهات البنك الدولي الذي ألحّ على السلطة السياسية في مؤتمر سيدر 2018، إجراء تغيير جذري في القطاع العام الذي يستنزف أكثر من نصف الموازنة العامة. واقترح البنك مراراً تقليص حجم القطاع العام وخفض الإنفاق على التقاعد وضبط الرواتب والأجور. ومشروع القانون فيه الكثير من البنود التي تقلّص حجم القطاع ونفقاته، منها تقليص عدد الموظفين، وخصوصاً غير القانونيين منهم، عبر "مباراة محصورة يجريها مجلس الخدمة المدنية... بحيث يتم إبقاء ذوي الكفاءة منهم وانتظام وضعهم بموجب عقود نظامية، والاستغناء عن خدمات الذين يرسبون أو لا يشاركون في المباراة". فضلاً عن تخفيض المعاش التقاعدي وتعويضات الصرف من 85 بالمئة إلى 70 بالمئة من قيمة الراتب الشهري الأخير، إلى جانب إعادة احتساب نِسَب توزيع المعاش والتعويضات على أفراد أسرة المتقاعد المتوفّي، بالإضافة إلى حصر استفادة البنات العازبات اللواتي تجاوزن سن الخامسة والعشرين، بمدة ثلاث سنوات فقط، من تاريخ نفاذ القانون... وغير ذلك.
توجّه غير إصلاحي
ما اعتبره مجلس الوزراء توجهاً إصلاحياً، رأى فيه موظفو الإدارات العامة، عكس ذلك، مؤكّدين أنّ مشروع القانون يضرب القطاع العام بموظفيه ومتقاعديه. وبدءاً من نسبة استعادة الرواتب، رأى عضو الهيئة الإدارية لرابطة موظفي الإدارة العامة، إبراهيم نحّال، أنّه بموجب المشروع سيتم مضاعفة الرواتب 46 ضعفاً حتى العام 2030، في حين أنّ رواتبنا خسرت أكثر من 60 ضعفاً مقارنة بما كانت عليه حتى العام 2019. فضلاً عن أنّ معدّلات التضخّم تمتص الزيادات الموزّعة على السنوات من 2026 حتى 2030". وتساءل نحّال في حديث لـ"المدن" عن الصورة الإصلاحية في مشروع قانون يقلّص المعاش التقاعدي للموظّف، "في حين أنّ الموظّف طوال سنوات خدمته، كان يقتطع من راتبه ليرفد معاشه التقاعدي. فبأيّ حق تعطيه الدولة 70 بالمئة من راتبه بدل الـ85 بالمئة؟. والأصعب من ذلك، هو حرمان عائلته من هذا الراتب، وخصوصاً البنت بعد بلوغها الـ25 عاماً". وذكّر نحّال بأن هذا المشروع "طرح سابقاً بين العامين 1996 و1997، فضلاً عن أنّه يتبنّى توجّهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين يضعان الإنفاق الحكومي في واجهة مقترحاتهما لخفض النفقات في أي بلد، بالإضافة إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي". وعليه، فإنّ مشروع القانون بصيغته الحالية "يضرب الدولة عبر ضرب القطاع العام، ولا دولة تقوم بغير قطاعها العام". وأشار نحّال إلى أنّه "إذا كان المطلوب الذهاب نحو نماذج مفتوحة يكون فيها التوظيف في القطاع العام توظيفاً تعاقدياً لا يحمي الموظّف، فإنّ الكثير من الأنظمة التي تعتمد ذلك، لديها في المقابل نظام حماية اجتماعية لمواطنيها، من تغطية صحية وغيرها".
في الوقت عينه، اعتبر أمين سر الهيئة الوطنية للمحاربين القدامى عماد عواضة، أنّ هذا المشروع يعني "دفن المتقاعدين وهم أحياء". وأكّد في حديث لـ"المدن" أنّ "الحل الوحيد أمام هذا المشروع هو النزول إلى الشارع بتحرّكات يومية ومفتوحة، وتعطيل جلسة مجلس النواب التي سيقرّ خلالها المشروع". وأشار إلى أنّ "المشروع يظلم المتقاعدين وعائلاتهم". أمّا الخطوة الأولى المطلوبة، فهي "التراجع عن المشروع، والبدء بدفع 50 بالمئة من قيمة الرواتب استناداً إلى ما كانت عليه حتى العام 2019، وتقسيط الباقي بمعدّل 10 بالمئة كل 6 أشهر". علماً أنّ هذا المقترح طرح على وزارة المالية وعلى رئيس الجمهورية.
التوظيف غير القانوني
لعقود، لم تفصح وزارة المالية عن العدد الفعلي لموظفي الدولة، وبقي الرقم يتراوح بين 250 إلى 300 ألف موظّف، وهو عدد مرتفع جداً. لكن ليس سرّاً أنّ عدداً كبيراً من هؤلاء، دخل إلى الوظيفة العامة بمختلف تسمياتها، كتوظيف سياسي وهمي، الأمر الذي ضخَّمَ حجم القطاع العام وزاد الإنفاق عليه، وتالياً هدر المال العام. على أنّ تقليص حجمه باعتماد مباراة محصورة عبر مجلس الخدمة المدنية، يساهم في إقصاء الكثير من الموظّفين غير القانونيين. إلاّ أنّ التطرّق لهذا الملف يفتح أبواباً لا يسهل إغلاقها.
تقرّ السلطة أنّها استغلّت القطاع العام للتوظيف السياسي، مؤكّدة في مشروع القانون أنّ هناك "توظيفاً غير قانوني حصل خلال السنوات الماضية". ومع ذلك، لم يتحرّك أي جهاز رقابي للمساءلة حول هذا التوظيف ومحاسبة المسؤولين عنه.
لكن في الوقت نفسه، قال نحّال إنّ هناك جانباً إنسانياً يرتبط بهذا التوظيف، ولا يمكن وقفه بهذه الطريقة. وبنظره "هناك مَن أدخلَ الموظّف غير القانوني إلى الإدارة العامة وغطّى توظيفه. لكنّ عائلة هذا الموظّف باتت تعتمد على راتبه، وحلّ الموضوع بمباراة، قد يحمل ظلماً لأشخاص ربما يملكون الكفاءة". وعليه، اقترح نحّال "تسوية أوضاع الموظفين غير القانونيين عبر توزيعهم على المراكز الشاغرة، فكل إدارات الدولة فيها شغور يصل أحياناً إلى 90 بالمئة ".
وأيضاً، لا بدّ من إجراء تدقيق إداري يلحظ عدم استفادة أي موظّف من أكثر من راتب في الوظيفة العامة. فهناك موظفون مسجّلون في أكثر من وظيفة عامة، فضلاً عن أنّ بعضهم يتولّى منصباً عاماً يحظر عليه القانون بالتوازي العمل في القطاع الخاص، لكنّ ذلك لا يُحتَرَم. ولذلك، فإنّ المحاسبة هي المدخل الأساس لضمان انتظام الإدارات العامة.
لجنة رئيس الجمهورية أجهِضَت، ومطالب الموظفين والمتقاعدين رُمِيَت جانباً. أمّا التذرّع بعدم وجود إيرادات كافية لحلّ الأزمة وفق تصوّر الموظّفين والمتقاعدين، فيُحال إلى عدم تحرّك الدولة للإتيان بإيرادات عبر المحاسبة وضبط التهرّب الضريبي وفتح ملفّ الأملاك العامة المستباحة وخصوصاً البحرية والنهرية. على أنّ العودة إلى مطالب الموظفين والمتقاعدين، يبدو أنّه غير وارد، ما يترك هؤلاء أمام الشارع، كخيار وحيد للاعتراض على مشروع القانون.