المصدر: نداء الوطن
الكاتب: جان الفغالي
الاثنين 24 آب 2026 07:26:40
كان عنوان كتاب السيناتور الأميركي بول فندلي، "من يجرؤ على الكلام"، يحمل في الأصل سؤالا عن الخوف من قول ما لا تريد مراكز النفوذ سماعه. واليوم يبدو أن السؤال الأكثر إلحاحًا في حالة "حزب الله" هو: من يجرؤ على التعداد؟ من يجرؤ على إعلان العدد الحقيقي للقتلى الذين سقطوا في المعارك، ومن يجرؤ على مواجهة جمهور "الحزب" وعائلات مقاتليه بحقيقة الخسائر، بعيدًا من البيانات المقتضبة والعبارات التي تحوّل الموت إلى رقم غامض أو "شهيد على طريق القدس"؟
المشكلة ليست في مبدأ إعلان أسماء القتلى، فـ"الحزب" سبق أن اعتاد نشر أسماء عناصره عند سقوطهم. لكن اتساع حجم المعارك وتعقّد ظروفها جعلا ملف القتلى والمفقودين أكثر حساسية. حتى تقارير عن إدارة "الحزب" لـ"ملف الشهداء" والمفقودين تحدثت عن صعوبة تحديد هوية بعض الجثامين، وعن إجراء فحوص DNA عندما تغيب العلامات التي تسمح بالتعرّف إلى أصحابها.
كان التحدي كشف هوية الجثة مع غياب القلادة أو أي علامة تدل عليها: جثث بلا أسماء، وتكتم شديد حيالها.
هنا يصبح "التعداد" مسألة سياسية لا مجرد عملية إحصائية، فكل اسم يعني عائلة، وكل جثمان يعني قصة، وكل رقم نهائي يفتح سؤالا أكبر: ماذا كانت نتيجة الحرب؟ وكم دفع "الحزب" من أبنائه ثمنًا لقرارات لم يكن جميع اللبنانيين شركاء في اتخاذها؟
والأشد حساسية بالنسبة إلى "الحزب" أن هناك جثامين بقيت تحت الأنقاض أو في مناطق القتال، وبعضها لم تُحسم هويته بعد.
إن شعار "لا نترك أحدًا" يصطدم أحيانًا بواقع الحرب القاسي: مقاتلون يسقطون، وجثامين تتأخر عملية انتشالها والتعرف إليها.
هنا تبرز المفارقة الكبرى مع كلام السيد حسن نصرالله: "نحن قوم لا نترك أسرانا في السجون"، بل تحدث لاحقًا عن مفقودين مؤكدًا أن الحزب "لم يتخلَّ عنهم ولن يتخلى عنهم".
لكن الصورة اليوم تبدو أكثر قسوة. فحين يُترك القتيل في أرض المعركة، أو يتأخر كشف هويته، أو يصبح رقمًا غير معلن، يصبح السؤال مشروعًا: هل بقي الشعار مبدأ ثابتًا. لهذا، ربما آن الأوان لاستبدال سؤال "بول فندلي" بسؤال لبناني أكثر إلحاحًا: مَن يجرؤ على التعداد؟ لأن الحقيقة لا تُهان حين تُقال، وإنما تُهان حين يُطلب من الناس أن يصدّقوا رواية لا تسمح حتى بمعرفة عدد الذين دُفعوا إلى الموت من أجلها.