المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الاثنين 20 تموز 2026 11:14:34
بعدما نجحت الحكومة في إعادة تشغيل مقالع شركات الإسمنت وفق نظام تراخيص جديد، لم يدم الاستقرار في السوق سوى أيام قليلة. فتنفيذ قرار مجلس الوزراء استغرق نحو 60 يوماً، بقيت خلالها مقالع الشركة اللبنانية للترابة (هولسيم - لبنان سابقاً) وشركة الترابة الوطنية (إسمنت السبع) متوقفتين عن العمل لاستكمال ملفاتهما، ما أفقد السوق نحو 4 آلاف طن من الإنتاج اليومي، في وقت كانت الحاجة تراوح بين 6 و7 آلاف طن يومياً.
ومع عودة الإنتاج تدريجياً إلى مستوياته الطبيعية، جاء قرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ القرارات الحكومية ليعيد الملف برمّته إلى نقطة البداية.
القرار أعاد قطاع الإسمنت إلى الواجهة، في وقت تستعد البلاد لورشة إعادة إعمار واسعة ستحتاج إلى ملايين الأطنان من الإسمنت. ولم يعد الخلاف يدور حول تراخيص المقالع فحسب، بل حول مستقبل قطاع لم ينجح لبنان في تنظيمه منذ أكثر من عقدين، بين متطلبات حماية البيئة، والمحافظة على صناعة محلية تتركز في أيدي 3 منتجين، وغياب سياسة واضحة تؤمن حاجات السوق وتحول دون الاحتكار عند الأزمات.
فالقرار الصادر في 14 تموز لم يمنع إنتاج الإسمنت بحد ذاته، لكنه جمّد مفاعيل قرارات الحكومة التي منحت شركات الإسمنت حق استثمار المقالع لمدة 10 سنوات، بعدما وجد مجلس الشورى أسباباً جدية للطعن، أبرزها الاستناد إلى مخطط توجيهي يعود إلى عام 1997، وعدم تقديم الدولة المستندات التي طلبها المجلس والمتعلقة بالرسوم والتعويضات البيئية، وآليات منع الاحتكار، وسياسة الاستيراد والتصدير.
في الواقع، لم تبدأ الأزمة مع قرار مجلس الشورى، بل مع محاولة الحكومة الانتقال من نظام "المهل الإدارية" الذي حكم القطاع لسنوات طويلة إلى نظام التراخيص القانونية المنصوص عليه في المرسوم 8803، من دون وضع آلية انتقالية تضمن استمرار الإنتاج وتفادي النقص في السوق. وقد أدى توقف مقالع شركتين طوال فترة استكمال الملفات إلى انخفاض الإنتاج بنحو 4 آلاف طن يومياً، وهو ما انعكس مباشرة على الأسعار، إذ ارتفع سعر طن الإسمنت في السوق الموازية إلى نحو 400 دولار، بعدما كان السعر الرسمي عند باب المصنع لا يتجاوز 91 دولاراً، وتوقفت مئات ورش البناء والإسكان.
الشورى: المشكلة في قانونية القرار لا في الإسمنت
لم يحسم مجلس شورى الدولة أصل النزاع، بل علق تنفيذ القرارات الحكومية إلى حين البت النهائي بالدعاوى. إلا أن حيثيات القرار حملت ملاحظات قانونية واضحة، إذ اعتبر المجلس أن الحكومة لم تبرر اعتمادها مخططاً توجيهياً يعود إلى عام 1997، ولم تقدم ما يثبت آليات تحصيل الرسوم البيئية، ولا كيفية ضمان المنافسة وتأمين الإسمنت في حال تعثر الإنتاج المحلي.
وبذلك، أعاد المجلس التأكيد أن الحاجة إلى إعادة الإعمار لا تعفي الدولة من احترام القوانين البيئية والتنظيمية، وأن الضرورات الاقتصادية لا يمكن أن تحل محل الأصول القانونية.
ياسين: المشكلة في غياب قانون ينظم القطاع
يرى وزير البيئة السابق ياسين ياسين، في حديث لـ"النهار"، أن الوزارات ملزمة بتنفيذ قرار مجلس الشورى، لأن أي مخالفة له تشكل مخالفة لقرار قضائي نافذ.
ويعتبر أن "أصل المشكلة يكمن في غياب إطار قانوني دائم ينظم القطاع، إذ إن معظم المقالع التي تعتمد عليها شركات الإسمنت تقع خارج المخطط التوجيهي، ما يجعل المجلس الوطني للمقالع عاجزاً عن منحها تراخيص قانونية، وهو ما دفع الحكومات المتعاقبة إلى اللجوء إلى الموافقات الاستثنائية التي بقيت عرضة للطعن".
ويشير إلى أن "وزارة البيئة، خلال توليه الحقيبة، اعتمدت موافقات موقتة ومحدودة لتأمين حاجة السوق بعد انفجار مرفأ بيروت، توازياً مع إعداد مشروع قانون ينظم القطاع، إلا أن الظروف السياسية حالت دون إقراره".
الحل الدائم برأيه يكمن في "إصدار قانون جديد"، معتبراً أن "فتح باب الاستيراد يشكل خياراً طبيعياً عندما لا يكفي الإنتاج المحلي لتلبية الطلب، خصوصاً أن أسعار الإسمنت المستورد تبقى منافسة حتى بعد إضافة الرسوم الجمركية"، داعياً إلى إنهاء الاحتكار وإلزام الشركات بتحمل الكلفة الفعلية لإعادة تأهيل المقالع ومعالجة الأضرار البيئية.
ويعتبر ياسين أن الاستيراد ليس خياراً غير مجد اقتصادياً وفق ما يشاع، موضحاً أن "أسعار الإسمنت المستورد من الأسواق المجاورة تبقى ضمن مستويات تنافسية، إذ يراوح سعر الإسمنت التركي السائب بين 53 و60 دولاراً للطن، فيما يبلغ سعر الإسمنت المعبأ بين 65 و70 دولاراً، وحتى بعد إضافة الرسوم الجمركية يبقى السعر منافساً، وقد يكون أقل كلفة من المنتج المحلي".
كما يشير إلى أن "أسعار الإسمنت الجاهز المتداولة في الأسواق الإقليمية تقارب 95 إلى 100 دولار للطن، وهي أسعار معلنة ويمكن متابعتها يومياً".
الإنتاج عاد... والاعتراض بيد الدولة
في المقابل، يؤكد محمد زيدان، أحد مالكي الشركة اللبنانية للترابة (هولسيم سابقاً) أن ملف القرار بات اليوم في عهدة الدولة التي تستعد لتقديم اعتراض أمام مجلس شورى الدولة في مرحلة التنفيذ.
ويقول إن "الشركة أعادت تشغيل معاملها وأمّنت مادة الكلنكر اللازمة لتسخين الأفران، فعاد الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية"، موضحاً أن "مصانع الإسمنت تنتج اليوم نحو 16 ألف طن يومياً، فيما تنتج شركته بين 6 و8 آلاف طن، وهو ما يكفي لإعادة التوازن إلى السوق خلال فترة وجيزة".
أما في شأن الاستيراد، فيلفت إلى أن وزير الصناعة سمح به، إلا أن أحداً لم يتقدم بطلب رخصة، لأن ارتفاع كلفة النقل يجعل العملية غير مجدية اقتصادياً"، لافتاً إلى أن "الإسمنت التركي، رغم انخفاض سعره وقربه الجغرافي، يخضع لرسم جمركي يبلغ 30%، ما يحد من تنافسيته".
ويؤكد في المقابل أن الشركة بدأت تنفيذ التزاماتها البيئية، بعد دفع الرسوم والكفالات المطلوبة للدولة، وأنها ملتزمة بإعادة تأهيل المقالع ضمن المهلة المحددة.