قلعة الشقيف... حين خرج التاريخ من قبره

سيُعاد كتابة التاريخ.

سيأتي يوم يفتح فيه طالب لبناني كتابًا عن أحداث 31 أيار 2026، فيقرأ أن الجيش الإسرائيلي احتل قلعة الشقيف. ستُسجَّل الواقعة كما تُسجَّل كل الوقائع الكبرى في تاريخ الأمم: قوة أجنبية عدوة دخلت إلى موقع لبناني ذي قيمة تاريخية ورمزية، رفعت علمها فوقه، وفرضت سيطرتها عليه. هكذا يُكتب التاريخ. لا بالشعارات، ولا بالرغبات، ولا بالروايات المريحة، بل بالوقائع.

وعندما يتحدث المؤرخون عن القلاع، فهم لا يتحدثون عن حجارة وأسوار وأبراج فحسب. القلاع كانت عبر العصور رمزًا للسيادة وهيبة السلطة والتحكم بالأرض. من يسيطر على القلعة يعلن حضوره، ومن يرفع علمه فوقها يبعث برسالة تتجاوز حدود الحجر إلى معاني القوة والسيادة والانتصار.

ومن بين القلاع التي حفرت اسمها في ذاكرة المشرق تبرز قلعة الشقيف، المنتصبة على تلة شاهقة تشرف على الجنوب اللبناني ووادي الليطاني. تعاقبت عليها الإمبراطوريات والجيوش منذ العصور الصليبية مرورًا بالمماليك والعثمانيين وصولا إلى حروب العصر الحديث. لم تكن مجرد موقع عسكري، بل شاهدًا صامتًا على قرون من الدماء والحصارات والاحتلالات والتحريرات. كانت جزءًا من التاريخ الذي تعلمناه في المدارس، واعتقدنا أن مكانه الطبيعي بات في الكتب لا في نشرات الأخبار.

ومن سخرية التاريخ القاسية أنني أجد نفسي اليوم أكتب عن قلعة الشقيف. لم يخطر ببالي يومًا أن أعود لأكتب عن هذا الاسم خارج صفحات كتب التاريخ التي تعلمناها في المدرسة وفي الجامعة. بالنسبة إلى جيلي، كانت الشقيف جزءًا من الماضي. كانت قلعة أدّت دورها العسكري وانتهى زمنها، وتحولت إلى معلم أثري نزوره لنتذكر تاريخًا حافلا بالحروب والاحتلالات والمآسي التي ظننا أنها أصبحت وراءنا.

لم نكن نتخيل أن يعود اسمها ليتصدر المشهد، وأن نضطر إلى استحضار القرون الماضية لفهم ما يجري في حاضرنا.

هذه هي المأساة الحقيقية. ليست فقط أن القلعة عادت إلى واجهة الأحداث، بل أن التاريخ نفسه عاد لينبش جراحًا اعتقدنا أنها التأمت. عاد ليذكرنا بأننا لم نتعلم ما يكفي من دروسه، وأننا ما زلنا ندور في الحلقة نفسها فيما تتغير الأسماء والأعلام وتبقى المآسي ذاتها.

كفانا استدعاءً للتاريخ من قبوره.

كفانا إعادة إحياء المواقع الأثرية على هيئة ساحات صراع جديدة. كفانا أن نعيد إدخال القلاع والرموز والمعالم التي كان يفترض أن تكون محطات للتأمل والسياحة والذاكرة إلى قلب المعارك اليومية.

لقد تعب التاريخ من تكرار نفسه، وتعب اللبنانيون من دفع ثمن هذا التكرار. وكل ما نرجوه اليوم ألّا يجبرنا الغد على الكتابة عن موقع أثري آخر، أو قلعة أخرى، أو معلم آخر ظننا أنه أصبح جزءًا من الماضي، فإذا به يتحول من جديد إلى عنوان لمأساة جديدة.

فالتاريخ وُجد لنتعلم منه، لا لكي نحيا مآسيه مرة بعد مرة.

واليوم سيُعاد كتابة التاريخ من جديد. ليس لأن قلعة سقطت للمرة الأولى، بل لأننا ما زلنا مختلفين حتى على توصيف ما جرى. فبينما تُرفع الأعلام وتُفرض الوقائع على الأرض، ينشغل البعض بإقناع الناس بأن ما حدث ليس احتلالا، بل "تكتيك" أو "استدراج" أو "فخ" للعدو.

المشكلة ليست في التحليل العسكري. المشكلة أن هناك من يريد احتلال الحقيقة نفسها.

فإذا لم يعد الاحتلال احتلالا، وإذا لم تعد السيطرة على الأرض سيطرة على الأرض، وإذا لم يعد رفع علم أجنبي فوق معلم لبناني حدثًا يستوجب الصدمة الوطنية، فماذا بقي من المعاني؟ وماذا بقي من اللغة المشتركة التي يفترض أن تجمع اللبنانيين؟

من المشاهد التي تهز الضمير أن تتحول قلعة الشقيف، التي تمنينا أن تبقى أخبارها جزءًا من كتب التاريخ، إلى عنوان جديد في سجل الانهيار اللبناني. كنا نأمل أن تبقى حصاراتها واحتلالاتها القديمة صفحات مطوية، لا أن نضيف إليها فصلًا جديدًا من الألم بينما ينشغل البعض في صناعة انتصارات وهمية فوق أنقاض الواقع.

وما يزيد المشهد مرارة أن قلعة الشقيف ليست مجرد موقع عسكري أو أثري عادي. إنها جزء من ذاكرة لبنان ومن التراث الذي يفترض أن يُصان لا أن يُستباح. فالمواقع التراثية وُجدت لتروي قصص الماضي للأجيال المقبلة، لا لتتحول مجددًا إلى ساحات صراع وإثبات نفوذ واستعراض قوة.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: من دخل إلى القلعة؟

السؤال الأخطر هو: من يضمن سلامة القلعة؟ من يضمن ألّا تتحول إلى ساحة عبث جديدة؟ من يضمن ألّا تُشوَّه أو تُدمَّر أجزاء من هذا المعلم الذي صمد في وجه قرون من الحروب؟ ومن يضمن أن يبقى هذا الإرث التاريخي ملكًا للأجيال المقبلة لا ضحية جديدة من ضحايا الجنون السياسي والعسكري؟

ما المطلوب اليوم؟

المطلوب التحرك السريع. المطلوب تحكيم العقل. المطلوب أن يوضع لبنان فوق كل اعتبار آخر.

المطلوب أن ننظر إلى الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

رجاءً استيقظوا.

لقد آن الأوان للخروج من زمن الغيب والماورائيات والانتصارات الخونفوشية التي لا يراها إلا أصحابها. آن الأوان للاعتراف بأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحمى بالمكابرة، ولا تُدار عبر تحويل كل خسارة إلى نصر لفظي.

اتكلوا على الله، واستمدوا منه الحكمة والقوة، لكن لا تنسبوا إلى الله ما ليس انتصارًا. فالله لا يحتاج إلى تزوير الحقائق. وما يجري اليوم ليس نصرًا، بل وهم انتصاري خطير. ووهم الانتصار كان دائمًا الطريق الأقصر إلى الخراب.

لن نكرر أننا حذرنا سابقًا، لأن النتائج أصبحت واضحة للعيان. فالحقائق لا تحتاج إلى خطابات طويلة. والمشهد يتحدث عن نفسه.

سقطت قلعة الشقيف مرات كثيرة عبر التاريخ، وعاش لبنان بعدها.

أما هذه المرة، فالمأساة ليست فقط في سقوط القلعة.

المأساة أن البعض لا يزال يرفض الاعتراف بأنها سقطت.

وذلك أخطر من أي احتلال عابر.

لأن القلاع يمكن استعادتها، والأحجار يمكن ترميمها، والأعلام يمكن أن تُنزَل.

أما عندما تسقط الحقيقة، ويسقط العقل، وتُحتل الوقائع نفسها، يصبح الوطن كله مهددًا بأن يتحول إلى قلعة مهجورة فوق ركام الإنكار.

فمن يرفض رؤية الواقع لن يستطيع تغييره. ومن يرفض الاعتراف بالخسارة لن يعرف كيف يمنع الخسارة التالية.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

كفانا أن نستدعي التاريخ من قبره.

كفانا أن نوقظ القلاع النائمة في كتب التاريخ لنكتب عنها من جديد بدم الحاضر.

وكفانا أن نورّث أبناءنا الحروب نفسها تحت عناوين مختلفة.

فلبنان يستحق أن يزور أبناؤه قلاعه ليتذكروا التاريخ، لا أن يعيشوا التاريخ نفسه مرة أخرى.