كائن مجهري يتحدى الإشعاع ويصلح حمضه النووي عبر الأجيال

في عالم الكائنات المجهرية، حيث تبدو فرص النجاة محدودة أمام الجفاف والإشعاع، كشف مخلوق بالغ الصغر عن قدرة غير مسبوقة، إذ يستطيع تمرير كروموسومات متضررة إلى نسله، قبل أن تستكمل الأجيال التالية عملية إصلاحها تدريجيًا.

الاكتشاف يتعلق بنوع من الدوارات البدائية يعرف علميًا باسم "Adineta vaga"، وهو كائن مجهري يعيش عادة في البيئات الرطبة مثل الطحالب والأشنات، ويتمتع أصلًا بقدرات استثنائية على تحمل الظروف القاسية.

وبحسب الدراسة، يستطيع هذا الكائن تحمل جرعات من الإشعاع تفوق بمئات المرات المستويات القاتلة للإنسان، حتى عندما تتعرض كروموسوماته للتفتت، إلا أن المفاجأة لم تكن في نجاته فقط، وإنما فيما يحدث لجيناته بعد ذلك.

إصلاح يستمر بعد ولادة الجيل التالي
وجد الباحثون أن "Adineta vaga" ليس مضطرًا إلى إصلاح جميع الأضرار التي لحقت بكروموسوماته قبل التكاثر، إذ يمكنه تمرير أجزاء الكروموسومات المكسورة إلى الجيل التالي، لتستمر عملية الترميم لدى نسله.

وقالت عالمة الأحياء التطورية كارين فان دونينك، من جامعة بروكسل الحرة في بلجيكا، إن الجانب الاستثنائي في الاكتشاف يتمثل في قدرة الكائن على تثبيت نهايات الكروموسومات وأجزاء الحمض النووي المتضررة، ثم نقلها إلى الجيل التالي ومواصلة إصلاحها.

وأوضحت أن وجود عملية لإصلاح مثل هذه الأضرار عبر عدة أجيال لم يسبق إثباته بهذه الصورة.

بدأت القصة عندما عرّض الباحثون الدوارات إلى إشعاع قوي، ثم أخذوا بيضة وضعتها إحدى الحيوانات واستخدموها لإنشاء مجموعة من النسخ المتطابقة وراثيًا.

وتوقع الفريق أن تحمل جميع النسخ نمطًا متشابهًا من الضرر الإشعاعي باعتبار أنها تعود إلى البويضة نفسها، إلا أن تحليل جينوماتها أظهر شيئًا غير متوقع.

فقد اختلفت الأجزاء المحذوفة من الكروموسومات بين الأفراد، في الوقت الذي بدت فيه أجزاء من الحمض النووي المفقود وكأنها تعود تدريجيًا.

وقالت فان دونينك إن النتيجة أوحت بوجود "إصلاح تدريجي"، وهي فكرة بدت للفريق في البداية مستحيلة.

ودفع ذلك العلماء إلى الشك في احتمال وجود مشكلة في عمليات التسلسل الجيني، لكن إعادة التحليلات قادتهم إلى النتيجة نفسها.

كروموسوم يتحول إلى عشرات القطع
ولم تكن مستويات الضرر التي تعرضت لها الحيوانات بسيطة، إذ استخدم الباحثون جرعات من إشعاع البروتون بلغت 100 و250 و500 غراي.

وقدّر الفريق أن هذه الجرعات أحدثت نحو 88 و220 و440 كسرًا مزدوجًا في الحمض النووي عبر الجينوم، على التوالي.

وعند أعلى جرعة، كان من الممكن أن يتحطم كروموسوم واحد إلى ما يتراوح بين 30 و50 قطعة.

وفي معظم الحالات، يمثل مثل هذا السيناريو مشكلة كارثية للخلية، لأن الكروموسومات تحتاج خلال الانقسام إلى آليات تسمح بنقل المادة الوراثية بصورة صحيحة إلى الخلايا الجديدة.

إلا أن الدوارات تمتلك، على ما يبدو، بنية كروموسومية تمنحها أفضلية غير عادية.

كيف تنجو القطع المكسورة؟
يعتقد الباحثون أن سرًا رئيسيًا وراء قدرة هذا الكائن يكمن في طريقة تنظيم مناطق معينة مسؤولة عن حركة الكروموسومات أثناء انقسام الخلية.

وبدلًا من اعتماد الكروموسوم على منطقة واحدة فقط لأداء هذه المهمة، يبدو أن المكونات اللازمة موزعة على مناطق مختلفة بطوله.

ويعني ذلك أنه حتى عندما يتحطم الكروموسوم، يمكن لبعض القطع أن تحتفظ بالعناصر التي تسمح لها بالانتقال إلى الخلية الجديدة بدل أن تضيع أثناء الانقسام.

وبهذه الطريقة تستطيع أجزاء الكروموسوم المكسورة الاستمرار من خلية إلى أخرى، بل والانتقال إلى جيل جديد من الدوارات.

لكن الاحتفاظ بالأجزاء ليس سوى نصف القصة، إذ يحتاج الحيوان في النهاية إلى إعادة بناء ما فقده.

يمتلك "Adineta vaga" أزواجًا من الكروموسومات المتشابهة، بحيث يحمل كل زوج الجينات نفسها تقريبًا في المواقع ذاتها.

وعندما يتضرر أحد الكروموسومات، يمكن استخدام نظيره الأقل تضررًا بوصفه قالبًا للمساعدة في إعادة بناء الأجزاء المفقودة من الحمض النووي.

وعلى الرغم من أن هذه الدوارات تتكاثر لاجنسيًا، فإنها احتفظت بآلية غير اعتيادية تسمح للكروموسومات المتماثلة بالتفاعل، الأمر الذي يساعد النهاية المكسورة من الحمض النووي على العثور على المنطقة المطابقة واستخدامها لاستعادة التسلسل المفقود.