المصدر: نداء الوطن
الكاتب: بطرس الخوري
الجمعة 4 أيلول 2026 10:55:08
قد تبدو الأرقام أحيانًا مجرد مصادفات، لكن التاريخ السياسي لا يخلو من إيقاعات تتكرر، ليس بحكم قوانين رياضية صارمة، بل لأن الأنظمة والدول تمرّ بدورات من الاستقرار والتراكم والانفجار وإعادة التكوين. وفي لبنان، يلفت النظر مسار يكاد يتكرر منذ الاستقلال: في كل نحو خمسة عشر عامًا، تصل صيغة سياسية أو توازن داخلي وإقليمي إلى حدودها، فتقع أزمة كبيرة ويخرج منها البلد مختلفًا عمّا كان قبلها.
عام 1943 وُلد لبنان الاستقلال بصيغته السياسية الجديدة، وقامت الجمهورية على الميثاق الوطني والتوازن بين مكوّناتها وعلى محاولة التوفيق بين خصوصية لبنان ومحيطه العربي.
بعد خمسة عشر عامًا تقريبًا، جاءت أزمة 1958. لم تكن مجرد اضطرابات داخلية، بل انعكاسًا للصراع الكبير الذي كان يهز المنطقة بين المدّ الناصري والمحور الغربي، وبين رؤيتين لموقع لبنان وهويته الخارجية. بلغت الأزمة حد التدخل العسكري الأميركي في تموز 1958، قبل أن تنتهي بتسوية سياسية وانتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية، لتبدأ مرحلة سياسية مختلفة عن مرحلة كميل شمعون.
وبعد خمسة عشر عامًا أخرى، وصل لبنان عام 1973 إلى واحدة من أخطر لحظات ما قبل الحرب، مع الصدامات بين الجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية، قبل أن ينفجر النظام كله في 1975. هنا لم يعد الخلاف يدور فقط حول حكومة أو رئيس، بل حول السيادة نفسها: من يحمل السلاح؟ من يقرر الحرب والسلم؟ وهل تستطيع الدولة أن تبقى دولة في ظل وجود قوة مسلحة تعمل من أراضيها وفق حسابات تتجاوز حدودها؟
وهذه الأسئلة، للمفارقة، لم تغادر لبنان منذ ذلك الحين.
بعد نحو خمسة عشر عامًا من اندلاع الحرب، جاء اتفاق الطائف عام 1989، ثم انتهت المرحلة العسكرية الأساسية للحرب في 1990. تبدّل النظام الدستوري، وتغيّرت موازين السلطة، وانتهت الجمهورية التي حكمتها قواعد ما قبل الحرب، وبدأ لبنان مرحلة جديدة طبعها تطبيق الطائف والوجود السوري الواسع في الحياة السياسية والأمنية اللبنانية.
ثم مرّت خمسة عشر سنة تقريبًا.
في 2005 اغتيل رفيق الحريري، واندلعت انتفاضة الاستقلال، وانسحب الجيش السوري من لبنان. وسقط النظام السياسي الذي حكم مرحلة ما بعد الطائف تحت المظلة السورية، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها الانقسام بين 8 و14 آذار، وتصاعد الصراع حول سلاح حزب الله وعلاقة لبنان بمحاور المنطقة.
ثم تمر خمسة عشر سنة أخرى فنصل إلى 2019–2020.
في تشرين الأول 2019 انفجرت الانتفاضة الشعبية، وبدأ الانهيار المالي والمصرفي الكبير، ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 ليصبح أحد أكثر الأحداث مأساوية ورمزية في تاريخ الجمهورية. لم تكن تلك مجرد أزمة حكومة أو أزمة مالية، بل كانت انهيارًا لنموذج اقتصادي وسياسي كامل تشكّل خصوصًا بعد الحرب.
هنا تصبح المصادفة التاريخية لافتة:
1943: استقلال وتأسيس مرحلة
1958: أزمة وتبدل في التوازن السياسي
1973–1975: انهيار التوازن وبداية الحرب
1989–1990: الطائف ونهاية الحرب وتأسيس مرحلة جديدة
2005: اغتيال الحريري وخروج الجيش السوري وانقلاب المشهد السياسي
2019–2020: انتفاضة وانهيار مالي وانفجار المرفأ وسقوط نموذج ما بعد الحرب
ليس هناك بالطبع "قانون الخمسة عشر عامًا" في التاريخ. فالدول لا تعمل بالساعة، ولا تأتي التحولات السياسية بناءً على روزنامة ثابتة. لكن اللافت أن النظام اللبناني يبدو قادرًا، في كل مرحلة، على تأجيل أزماته بدل حلها، إلى أن تتراكم التناقضات طوال عقد أو عقد ونصف ثم تنفجر دفعة واحدة.
ولذلك ربما لا تكون الخمس عشرة سنة هي سبب الأزمة، بل المدة التي يحتاج إليها التوازن اللبناني المؤقت كي يستنفد قدرته على الاستمرار.
فكل تسوية لبنانية حملت معها تقريبًا المشكلة التي ستنفجر في المرحلة التالية. استقلال 1943 لم يحسم نهائيًا إشكالية موقع لبنان بين محيطه والغرب، فانفجرت أزمة 1958. وتسوية 1958 لم تحسم مسألة السيادة في ظل تصاعد العمل الفلسطيني المسلح، فانفجرت أزمة السبعينيات. والطائف أنهى الحرب لكنه لم ينجز بصورة كاملة مسألة حصرية السلاح والسيادة، فتحولت هذه المسألة لاحقًا إلى أحد محاور الصراع السياسي بعد 2005.
ومن هنا يصبح السؤال عن مرحلة 2020 أكثر أهمية.
إذا أخذنا الحساب حرفيًا، يفترض أن تكون المحطة التالية قرابة عام 2035. لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. فالعام 2020 قد لا يكون بداية خمسة عشر عامًا من الانتظار، بل بداية مرحلة انتقالية بدأت نتائجها السياسية تظهر تباعًا.
منذ 2025 دخل لبنان مشهدًا مختلفًا: انتخاب رئيس جديد بعد الفراغ، تشكيل حكومة جديدة، عودة مسألة سيادة الدولة وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم إلى صدارة النقاش، وفي 2026 انتقلت هذه المسألة من الشعارات إلى قرارات رسمية واضحة للدولة.
وهنا قد يكون الفرق الجوهري بين الدورة الحالية والدورات السابقة.
في 1958 كان السؤال عن موقع لبنان في الصراع العربي والدولي. وفي 1975 كان السؤال عن الدولة والسلاح الفلسطيني. وفي 1990 كان السؤال عن إنهاء الحرب وإعادة بناء المؤسسات. وفي 2005 كان السؤال عن الوجود السوري والسيادة. أما اليوم، فيعود لبنان بصورة مختلفة إلى السؤال نفسه الذي لاحقه منذ السبعينيات: هل توجد دولة واحدة تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم، أم تبقى السيادة موزعة بين الدولة وقوى تتجاوزها؟
لذلك، قد نكون بالفعل أمام "التحول السادس"، لكن ليس لأن عقارب ساعة تاريخية بلغت الدقيقة الخامسة عشرة، بل لأن الشروط التي كانت تحمل المرحلة السابقة تتغيّر.
ربما يكون التحدي هذه المرة ألا ينتظر اللبنانيون خمسة عشر عامًا أخرى كي تأتيهم التسوية من انفجار جديد، بل أن يصنعوا التحول وهم لا يزالون قادرين على صنعه بالسياسة والمؤسسات.
فإذا كان تاريخ الجمهورية قد علّمنا شيئًا، فهو أن المشكلة ليست أن لبنان يتغير كل خمسة عشر عامًا، بل أنه غالبًا لا يغيّر ما يجب تغييره إلا بعد أن يدفع الثمن.