المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أمل شموني
الأربعاء 15 نيسان 2026 06:58:12
«إنها فرصة تاريخية»، هكذا وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اللقاء الدبلوماسي غير المسبوق، الذي دام لنحو ساعتين ونصف في واشنطن، وجمع بين السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض وإلى جانبها القائم بالأعمال وسام بطرس والسفير الإسرائيلي يخيئيل لايتر، بحضور السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى والمستشار الأميركي مايكل نيدهام وعدد من المساعدين. أما السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز فقد حضر لحظة أخذ الصورة.
وأعرب روبيو عن أمله في أن يتمكن الطرفان اللبناني والإسرائيلي من «البدء في المضي قدمًا ضمن إطار عمل» يتيح تحقيق شيء «إيجابي للغاية» و «دائم للغاية». وقال روبيو «لن يتم حل كافة التعقيدات المتعلقة بهذا الملف خلال الساعات الست المقبلة، ولكن يمكننا البدء في المضي قدمًا ووضع الإطار اللازم لتحقيق إنجاز ما؛ وهو شيء إيجابي للغاية، وشيء دائم للغاية، لكي ينعم الشعب اللبناني بالمستقبل الذي يستحقه، ولكي يتمكن الشعب الإسرائيلي من العيش في أمان ودون خوف من هجمات تشنها جماعة وكيلة مدعومة من إيران».
وشدد روبيو على أن «هذا المسعى ليس مجرد حدث عابر، بل هو عملية ستستغرق وقتًا. ومع ذلك، فإننا نؤمن بأنه جهد جدير بالاهتمام. ونحن نهدف اليوم إلى وضع الأسس لسلام راسخ ودائم، سلام يضمن الأمن والازدهار للمنطقة بأسرها».
ويُمثل هذا اللقاء واحدًا من أكثر اللقاءات المباشرة التي توسطت فيها الولايات المتحدة بين ممثلين لبنانيين وإسرائيليين منذ سنوات، ويأتي في لحظة لا تزال فيها التوترات على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية متقلبة بشكل خطير.
تجدر الإشارة إلى أن السفيرين معوض ولايتر لم يتحدثا أو يجيبا على الأسئلة التي وُجهت إليهما خلال جلسة التصوير تلك، غير أن المصادر أشارت إلى أن السفيرين كانا لبقين وودودين تجاه بعضهما البعض. وقالت السفيرة معوض عقب الاجتماع «إن اللقاء التحضيري كان بنّاءً». وشكرت الجانب الأميركي على استضافة هذه المحادثات وتسهيلها. وأضافت «جددتُ التأكيد على الحاجة الملحّة للتنفيذ الكامل لاتفاق وقف الأعمال العدائية الصادر في نوفمبر 2024»، مشددة على «وحدة أراضينا والسيادة الكاملة للدولة على كافة الأراضي اللبنانية». كما أنها دعت إلى «وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى منازلهم، وإلى اتخاذ خطوات ملموسة للتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية الحادة التي لا يزال لبنان يواجهها جراء النزاع المستمر».
بحسب مصادر دبلوماسية أميركية، أكد حضور روبيو الجهود المتجددة التي تبذلها واشنطن لفصل المسارين اللبناني والإيراني ولمساعدة الدولة اللبنانية على إعادة بسط نفوذها وسيطرتها على الحدود اللبنانية الإسرائيلية التي تزداد اضطرابًا في منطقة مستمرة في الترنح على حافة المواجهة.
وفي الكواليس، علمت «نداء الوطن» أن السفير الإسرائيلي تحدث بإسهاب مع السفير عيسى، وهو كان يروّج لعلاقات اقتصادية وسياحية. كما أنه اعتبر أمام الصحافيين أن وجود الرئيس الأميركي ترامب في البيت الأبيض وإصراره على سياسته ضد إيران وأذرعها جعل هذا اللقاء ممكنًا، في تلميح إلى أن ترامب شجع رئيس الوزراء الإسرائيلي للرد الإيجابي على مبادرة الرئيس جوزاف عون.
وبحسب مسؤول في الخارجية الأميركية، يأتي هذا اللقاء «كنتيجة مباشرة لتصرفات حزب الله المتهورة»، مشيرًا إلى أنه بمثابة خطوة أولى لمحادثات دبلوماسية مفتوحة ومباشرة ورفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل هي الأولى من نوعها منذ زمن. ولفت المسؤول الأميركي إلى أن هذا الحوار سيعمل على تحديد نطاق النقاش الجاري حول كيفية ضمان الأمن طويل الأمد للحدود الشمالية لإسرائيل، ودعم عزم الحكومة اللبنانية على استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها وحياتها السياسية. وشدد المسؤول لـ «نداء الوطن» على أن «إسرائيل في حالة حرب مع حزب الله، وليس مع لبنان؛ ولذا، لا يوجد أي سبب يمنع الجارين من التحاور في ما بينهما».
وتكمن أهمية هذا الاجتماع، في الدرجة الأولى، في مجرد انعقاده. فبالنسبة للبنان وإسرائيل، اللذين لا يزال كل منهما ينظر إلى الآخر كعدو في سياق التعاملات اليومية العملية، يُعد مجرد الجلوس في غرفة واحدة تحت الرعاية الأميركية بحد ذاته بيانًا سياسيًا. كما أن هذا المشهد الدبلوماسي مقصود بعناية؛ إذ تحاول واشنطن الإشارة إلى أنها لا تزال تؤمن بأن الدبلوماسية المباشرة، مهما كانت محدودة، يمكن أن تساعد في منع الانزلاق نحو حرب أوسع نطاقًا.
قال دبلوماسي أميركي سابق إن «التمييز بين المسارين أهمية جوهرية»، مشددًا على أن «أحد الأهداف المركزية لهذا الاجتماع يتمثل في فك الارتباط بين الجبهة الإيرانية والجبهة اللبنانية، لضمان ألا تكون طهران هي الجهة الفاعلة التي تقرر فعليًا ما إذا كان وقف إطلاق النار في لبنان سيصمد أم لا». وبالنسبة للمسؤولين الأميركيين، لا يُعد هذا الفصل مجرد صياغة دبلوماسية فحسب، بل هو محاولة لإعادة تأطير الصراع بحيث يُنظر إليه على أنه نزاع بين دول ذات سيادة وبين جماعة مسلحة غير تابعة للدولة، بدلًا من اعتباره امتدادًا حتميًا للمواجهة الإقليمية الدائرة بين إيران وإسرائيل.
وأكد مصدر أميركي أن واشنطن تعرف أن الحكومة اللبنانية عالقة في خضم صراع حقيقي بين المعسكر الشيعي الموالي لـ «حزب الله» الذي يُركز جهوده على تأمين وقف لإطلاق النار، وبين المعسكر المناهض للحزب، الذي يعتبر نزع سلاح المنظمة أولوية قصوى لا يعلو عليها شيء. ويُبرز هذا الانقسام مشكلة جوهرية قد تواجه المسار الدبلوماسي الذي تشارك فيه بيروت.
غير أن واشنطن تعتبر أن استضافة هذا الاجتماع تخدم عدة أغراض في آنٍ واحد؛ فهي تُرسل إشارة تفيد بانخراطها الفاعل في ملف إقليمي شديد التقلب، وتُطمئن إسرائيل إلى أن الولايات المتحدة لا تزال منخرطة بقوة في الملف، كما أنها تضغط على بيروت لمواجهة الحقيقة القائلة إن التموضع العسكري لـ «حزب الله» غير مقبول ويُقوّض سيادة لبنان.
من هنا يشدد دبلوماسي أميركي على أن حضور روبيو يضفي بُعدًا إضافيًا من الثقل والأهمية؛ فبصفته أحد أبرز الأصوات داخل الإدارة الأميركية المعنية بالسياسة الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط، يُشير حضوره إلى أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى هذا الاجتماع باعتباره مجرد تبادل رمزي للآراء، بل تسعى لبناء قناةٍ ذات طابعٍ سياسيٍ وتشغيليٍ في آنٍ واحد، خصوصًا لجهة دعم جهود السفير عيسى وتسليم ملف لبنان في الخارجية الأميركية إلى نيدهام. وقد اضطلع عيسى، بحسب المصدر، بدور يتطلب موازنة دقيقة بين تمثيل الموقف الرسمي لبيروت، وبين الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة مع تزايد القلق إزاء التموضع العسكري لـ «حزب الله».
وعن كواليس اللقاء، وصفت مصادر جلسة الأمس بأنها «حوارٌ استكشافي» بُني حول قضايا ملموسة؛ وفي مقدمها مسألة الحاجة إلى وجود قنواتٍ موثوقة لـ «فض الاشتباك».
ويبقى من غير المؤكد ما إذا كان هذا اللقاء الاستثنائي سيُترجم إلى مشاركة مستدامة، رغم وجود نية في عقد اجتماعات لاحقة، ربما في واشنطن أو في عاصمة أخرى. في الوقت الحالي، تُعتبر جلسة 14 نيسان بمثابة تمرين نادر في إدارة المخاطر، في منطقة غالبًا ما يكون فيها الحوار نفسه عملاً استراتيجيًا.
وقد صدر بيان مشترك بعد انتهاء الاجتماع، جاء فيه: عقدت وزارة الخارجية الأميركية اجتماعًا ثلاثيًا في 14 أبريل 2026، بمشاركة وزير الخارجية ماركو روبيو، والمستشار مايكل نيدهام، وسفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى، وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يخيئيل لايتر، وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض. وشكّل هذا الاجتماع أول تواصل رفيع المستوى بين حكومتي إسرائيل ولبنان منذ عام 1993. وأجرى المشاركون نقاشات مثمرة حول الخطوات اللازمة لإطلاق مفاوضات مباشرة بين البلدين. وهنّأت الولايات المتحدة البلدين على هذا الإنجاز التاريخي، معربةً عن دعمها لمواصلة المحادثات، وكذلك لخطط الحكومة اللبنانية لاستعادة احتكار السلاح وإنهاء النفوذ الإيراني المفرط. كما أعربت عن أملها في أن تتجاوز هذه المحادثات نطاق اتفاق عام 2024، وأن تفضي إلى اتفاق سلام شامل. وأكدت دعمها لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات المستمرة من "حزب الله". وشددت على أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم بين الحكومتين، برعاية الولايات المتحدة، وليس عبر أي مسار منفصل. كما لفتت إلى أن هذه المفاوضات قد تفتح المجال أمام مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار وتعافٍ اقتصادي للبنان، وتوسيع فرص الاستثمار لكلا البلدين. من جانبها، أعربت دولة إسرائيل عن دعمها لنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك البنية التحتية للإرهاب في لبنان، مؤكدةً التزامها بالعمل مع الحكومة اللبنانية لتحقيق هذا الهدف بما يضمن أمن شعبي البلدين. كما أكدت استعدادها للانخراط في مفاوضات مباشرة لحل جميع القضايا العالقة والتوصل إلى سلام دائم يعزز الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة. بدورها، شددت الدولة اللبنانية على الحاجة الملحّة للتنفيذ الكامل لإعلان وقف الأعمال العدائية الصادر في نوفمبر 2024، مؤكدةً مبادئ وحدة الأراضي والسيادة الكاملة للدولة، وداعيةً إلى وقف إطلاق النار واتخاذ إجراءات ملموسة لمعالجة الأزمة الإنسانية الحادة التي لا يزال يعاني منها البلد نتيجة النزاع المستمر. واتفق جميع الأطراف على إطلاق مفاوضات مباشرة في زمان ومكان يتم الاتفاق عليهما بشكل متبادل. |