كواليس وقف نار "ضبابي" لا يشمل الجنوب:هل يلجم ترامب نتنياهو؟

بشكل مفاجئ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوصول إلى وقف لإطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، لكن من دون توضيح ما إذا كان وقف النار شاملاً، أم يقتصر على منع تل أبيب من ضرب بيروت والضاحية الجنوبية. لكن المسار كان قد انطلق قبل فترة، وقصته تتضمن تفاصيل كثيرة وجهات أكثر دخلت على خط المساهمة في وقف النار. لكن في النهاية تبلورت الصورة ما بين يومي الأحد والإثنين، إذ استمر لبنان بإجراء اتصالات مكثفة مع الأميركيين للوصول إلى وقف لإطلاق النار، وتبنى الأميركيون وجهة نظر إسرائيل في مواصلة عملياتها العسكرية في الجنوب مقابل عدم استهداف الضاحية، بشرط أن يتوقف حزب الله عن استهداف المستوطنات الإسرائيلية وهو ما رفضه حزب الله بالكامل. 

 

مواقف عربية داعمة

استمرت الاتصالات، على أكثر من خط، خصوصاً قبل موعد المفاوضات، لكن النقطة الأساسية التي استفاد منها لبنان، هي مواقف عربية داعمة له. وهي بدأت بالبروز منذ طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من دول عربية وإسلامية الانضمام إلى اتفاقات أبراهام، إذ بدا وكأنه يستغل الحصار على إيران وإغلاق مضيق هرمز وحالة اللاحرب واللاسلم في الخليج، للضغط على دول الخليج، ولا سيما قطر والسعودية، من أجل الدخول في مسار الاتفاقات الابراهيمية، وهو ما رفضته الدولتان. وإثر الرفض العربي لهذا المسار، بدأ لبنان يستفيد منه، وهو ما تجلى في المواقف السعودية، القطرية والمصرية التي دعت إلى وقف الحرب على لبنان. 

 

تولى الرؤساء الثلاثة في لبنان، جوزاف عون، نبيه بري، ونواف سلام إجراء اتصالات مع الأميركيين ومع الدول العربية لأجل العمل على تحصين الموقف اللبناني ووقف الحرب الإسرائيلية المتصاعدة. وقد جرى تزخيم الاتصالات بعد التقدم الكبير الذي حققه الإسرائيليون في قلعة الشقيف وإعلان نتنياهو الاستعداد لتعميق العملية العسكرية أكثر، بينما كانت هناك مخاوف في لبنان من تكرار إسرائيل لنموذج اجتياح العام 1982، والوصول إلى مناطق عميقة جداً تتجاوز النبطية، بينما هناك من اعتبر أن اسرائيل تريد إعادة رسم المنطقة الأمنية التي كانت تسيطر عليها قبل العام 2000 والتي تصل إلى حدود جزين. 

 

العودة إلى اتفاق تشرين

كان حزب الله يرفض بالكامل مسألة وقف إطلاق النار ضد اسرائيل، مقابل امتناعها عن ضرب الضاحية، والبحث لاحقاً في خفض التصعيد في الجنوب. ولكن بعد التطورات العسكرية الأخيرة، وخصوصاً بعد التهديدات بضرب الضاحية، ربما وافق الحزب على أن تستمر اسرائيل بعملياتها وفق الترتيبات التي عملت بها في اتفاق تشرين الثاني 2024، أي تبقى في بعض النقاط والمواقع، وضرب أي هدف لحزب الله تعتبره إسرائيل تهديداً لها. وهذا ما جرى تأكيده في البيان الذي صدر عن رئاسة الجمهورية بعد الاعلان عن الاتفاق. 

 

برّي على خطّ قطر

لعب نبيه بري دوراً أساسياً في الوصول إلى اتفاق وقف النار أو التصعيد، وفي سياق اتصالاته مع الرؤساء، عمل على ثلاثة خطوط عربية، مصر، السعودية ودولة قطر، وقد أوفد معاونه السياسي علي حسن خليل إلى قطر لعقد لقاءات هناك، حيث سيلتقي برئيس الوزراء محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. وجاء ذلك بعد اتصال جرى يوم الأحد بين نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي وأبلغ أن قطر تجري اتصالات بالأميركيين للمساعدة في وقف إطلاق النار في لبنان. 

 

عملياً كان هناك تركيز سعودي، قطري مصري على ضرورة خفض التصعيد. وقد تواصل مسؤولون قطريون وسعوديون ومصريون مع المسؤولين اللبنانيين والأميركيين، ودخلت دولة قطر بقوة على خط الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف الحرب على لبنان وخفض التصعيد العسكري. وكشفت معلومات خاصة لـ"المدن" أن المسؤولين القطريين أجروا منذ بعد ظهر الأحد سلسلة اتصالات مع مسؤولين أميركيين للمساهمة في احتواء التدهور الميداني ومنع اتساع رقعة المواجهة.

 

وبحسب المعلومات، تكثفت هذه الاتصالات مجدداً ظهر الإثنين بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، إذ طالبت الدوحة الجانب الأميركي بالتدخل لمنع تنفيذ الضربة. وتبلغ المسؤولون القطريون لاحقاً من الأميركيين بإلغاء الغارة التي كان يجري التحضير لها على الضاحية. وتشير المعطيات إلى أن هذا المسار القطري بدأ بعد الاتصال الذي أجراه نائب رئيس الحكومة طارق متري مع وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي، في إطار التنسيق بين الجانبين لدعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب.

 

وفي موازاة ذلك، أوفد رئيس مجلس النواب نبيه بري معاونه السياسي علي حسن خليل إلى قطر يوم الأحد للاطلاع على طبيعة الدور الذي تقوم به الدوحة في إطار مساعيها لوقف الحرب على لبنان، والمساهمة في إنجاح المفاوضات الإيرانية – الأميركية. ومن المقرر أن يعقد خليل الثلاثاء سلسلة لقاءات مع المسؤولين القطريين، ولا سيما مع رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، لبحث آخر المستجدات والجهود المبذولة لخفض التصعيد والتوصل إلى وقف لإطلاق النار.

 

تدخل روبيو

في السياق، حصل تواصل بين بري ورئيس الجمهورية جوزاف عون حول موقف لبناني يجمع على أن ما تقوم به إسرائيل في لبنان غير مقبول أبداً، بينما أصر رئيس الجمهورية على التفاوض، فيما فتح بري مساراته الأخرى لزيادة الضغط على الأميركيين. عندها تدخل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وأوصل رسالة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون مفادها أن أميركا مستعدة للعمل على خفض التصعيد، ومنع إسرائيل من ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعدها يتم الانتقال إلى وقف تدريجي لإطلاق النار على كل الأراضي اللبنانية، مقابل أن يوقف حزب الله عملياته بالكامل ضد إسرائيل، وقد أبلغ رئيس الجمهورية الرسالة الأميركية لرئيس مجلس النواب، الذي ردّ بأنه لا يمكن وقف إطلاق النار من طرف مقابل دراسة خفض التصعيد من طرف آخر، وهذا ما تسلح به رئيس الجمهورية في جوابه للأميركيين، بينما كان بري يوكل مستشاره علي حمدان الاتصال بالسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى ليبلغه بأن بري يضمن التزام حزب الله الكامل بوقف إطلاق النار، مقابل أن توقف إسرائيل عملياتها العسكرية بالكامل أيضاً وتوقف التوغل البري.

 

الآن الحديث هو حول وقف العمليات العسكرية ضد بيروت، والضاحية الجنوبية، من دون وضع مسار واضح للانسحاب الإسرائيلي، ومن دون وضوح حول وقف العمليات العسكرية في الجنوب، وفق ما يعلنه المسؤولون الإسرائيليون. بل إن بنيامين نتنياهو بقي صامتاً تجاه إعلان ترامب لبعض الوقت، ثم أطلق موقفاً ينسف الاتفاق من أساسه، إذ قال: أبلغت ترامب بأننا سنضرب بيروت إذا لم يتوقف حزب الله عن مهاجمة مدننا، وموقفنا لم يتغير. وسنواصل العمل كما هو مخطط له في جنوب لبنان. وفي الواقع، سيكون أي انسحاب اسرائيلي أو وقف كامل لإطلاق النار مرتبطاً بما ستحققه المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية على خط مسار سحب سلاح حزب الله، ولا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي، وسط وجود مواقف دولية شاملة تشير إلى ضرورة معالجة ملف سلاح الحزب.