كيف أعادت الحرب رسم الناتج المحلّي في 2026؟

لم يعد بلوغ الناتج المحلّي الإجمالي مستوى 53 مليار دولار، كما كان عليه في العام 2019، هدفًا يمكن تحقيقه عبر الإصلاحات أو خفض عجز المالية العامة والتضخم فحسب، بل بات يرتبط بالحرب وتقلّباتها ووقف إطلاق النار لفترة 10 أيام واحتمالات توقفها نهائيًا. فهو من جهة يرزح تحت وطأة اقتصاد هش لم يلتقط أنفاسه، وبين تضخم عالمي نتيجة ارتفاع أسعار النفط، تزامنًا مع بدء الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران في 28 شباط الماضي. كيف سينعكس ذلك على مستوى الناتج المحلّي المتوقع للبنان في العام 2026؟

لا يتمّ التعامل مع الناتج المحلّي في لبنان كرقم واحد ثابت، بل ينقسم إلى جزأين: ناتج اسمي يُحتسب وفق المعايير الإحصائية التقليدية، وناتج حقيقي يعكس حجم الاقتصاد النقدي الفعلي الذي يدور فعليًا خارج القنوات الرسميّة. ويعود هذا التباين القائم في لبنان إلى اختلالات بنيوية عميقة، في مقدّمها اتساع نطاق الدولرة الجزئية، فضلًا عن التراجع الكبير في دقة وموثوقية الإحصاءات الرسمية.

التقرير الأخير الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي الأسبوع الماضي، قدّر الناتج المحلّي الإجمالي للعام 2024 بالقيمة الاسمية، بـ 30.5 مليار دولار في العام 2024، ارتفاعًا من 25.9 مليار دولار في 2023. وعلى الرغم من هذا الارتفاع، فإن مستوى عام 2024 لا يزال يُمثل نحو 57 % فقط من مستواه في العام 2019 البالغ 53.3 مليار دولار.

أمّا بالقيمة الحقيقية، فالناتج المحلّي الإجمالي بالأسعار الثابتة انكمش بنسبة 5.2 % في العام 2024، وذلك بعد تراجع طفيف بنسبة 0.5 % في العام 2023 ونمو متواضع بنسبة 1.4 % في 2022. ويُقدّر التقرير أن الناتج الحقيقي في سنة 2024 يعادل نحو 69 % من مستواه في العام 2019، ما يعكس الظروف الاقتصادية القاسية التي شهدها لبنان منذ ذلك الحين، بما في ذلك الأزمة الاقتصادية الممتدّة والصدمات اللاحقة، أمّا بالنسبة إلى العجز التجاري، فقد شكّل نحو 42 % من إجمالي الناتج المحلي الاسمي.

في العام 2024 الذي شهد في نهايته لفترة شهرين حربًا شاملة على لبنان بعد "إسناد غزّة" في الحرب الإسرائيلية عليها، قُدِّر وفقًا لتقرير إدارة الإحصاء المركزي، الدخل القومي الإجمالي بنحو 2,708 تريليونات ليرة لبنانية (30.3 مليار دولار)، في حين بلغ الدخل القومي المتاح الإجمالي 3,268 تريليون ليرة (36.5 مليار دولار) بالأسعار الجارية. ويتجاوز الدخل القومي المتاح الناتج المحلّي الإجمالي في لبنان، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى احتساب تحويلات اللبنانيين في الخارج وغيرها من التحويلات الجارية.

الاقتصاد في 2025

أما في العام 2025 ورغم عدم صدور أرقام رسميّة عن إدارة الإحصاء المركزي، قدّرت وزارة الاقتصاد والتجارة النمو الاقتصادي المحقق بنسبة 5 % في 2025 والبنك الدولي قدّره بـ 3.7 % ما يعني أن الناتج المحلّي الاسمي في سنة 2025 يجب أن يكون 32.5 مليار دولار. أمّا إذا تمّ احتساب التضخم بنسبة 12 % والنمو 5 % فإن "الناتج المحلّي الحقيقي المقدّر كما أوضح الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي أنيس بو دياب لـ "نداء الوطن" سيكون بقيمة 37 مليار دولار في 2025". ماذا عن تقديرات العام 2026؟

الناتج المحلّي في 2026

وفي حين كانت التقديرات في بداية العام الجاري، أن يستمرّ الاقتصاد اللبناني في تحقيق نموّ، جاءت حرب "إسناد إيران" من الأراضي اللبنانية لتغيّر المعادلة وتحوّل الحرب على أرضه، وبذلك كان تأثير الحرب على الناتج المحلي الإجمالي كما أوضح الخبير الاقتصادي والمالي نيكولا شيخاني "انهيارًا هيكليًا وليس مجرّد استمرار في التدهور".

أضاف: "امتدّ النزاع إلى مناطق عدة في لبنان، وأسفر عن أكثر من مليون نازح. وانتقل النشاط التجاري في العديد من المناطق من حالة انكماش إلى شبه توقف، في حين تراجع نشاط القطاع الخاص الرسمي بشكل حادّ بنحو 50 % عبر قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات. وكان قطاع الضيافة الأكثر تضرّرًا، حيث انخفض نشاط الفنادق والمطاعم بنحو 80 %. ومن المتوقع أن يتجاوز معدّل البطالة 45 % مع وجود 250 ألف وظيفة إضافية مهدّدة. وتُترجم هذه الاضطرابات إلى خسائر شهرية في الإيرادات تقدّر بنحو 2 مليار دولار. وفي نهاية العام من المتوقع أن ينكمش الناتج المحلّي الإجمالي للبنان بنحو 10 % ليضاف إلى التراجع المسجّل في العام 2024". هذا بشكل عام لكن هناك سيناريوان كانا مطروحين قبل دخول وقف إطلاق النار في لبنان لفترة 10 أيام في منتصف ليل الخميس حيّز التنفيذ:

- الأول، إذا توقفت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بعد استمرارها لفترة شهرين.

- الثاني، إذا توقفت في الخارج واستمرّت في لبنان بعد وقف إطلاق النار.

السيناريو الأوّل

في السيناريو الأوّل سنتناول الناتج المحلّي المرتقب أن يتحقق في 2026 من حجم التضخم الذي يضرب العالم. فكل 10 دولارات زيادة في سعر برميل النفط العالمي، تعني ارتفاعًا في التضخم بنسبة 0.4 % عالميًا أي 4 أعشار في المئة، وتراجعًا بالنمو الاقتصادي بنسبة تتراوح بين 0.1 إلى 0.2 % أي عشر إلى عشرين في المئة من الانكماش. وبذلك يقول بو دياب "إذا أضيفت إلى انكماش الاقتصاد زيادة في التضخم يعني ذلك تراجعًا في الاقتصاد بنسبة 5 %. لكن كيف سينعكس ذلك رقميًا؟".

من المتوقع أن يزيد التضخم بنسبة 2 % مع اعتمادنا على استيراد منتجاتنا النفطية بأكملها من الخارج بنسبة 100 % وارتفاع أسعار النفط بنسبة 30 %.

فنسبة التضخم المقدّرة بـ 14 % في العام السابق زائد 4 أو 5 % ارتفاعًا في الأسعار محليًا يضاف إليها تضخم مستورد من الخارج والتضخم المنقول إلى السلع الأخرى، تعني ارتفاعًا في الأسعار وتضخمًا بنسبة تتراوح بين 25 و 30 % ما ينعكس على الناتج المحلّي الاسمي. من هنا، من المتوقع أن يكون إجمالي الناتج المحلّي الاسمي بقيمة تتراوح بين 36 و 37 مليار دولار بسبب التضخم، وبالتالي لا يعكس إجمالي الناتج المحلّّي في الاقتصاد الفعلي.

بالنسبة إلى انكماش الاقتصاد الحقيقي إذا طال أمد وقف إطلاق النار وبالتالي لم تستغرق الحرب أكثر من فترة شهرين، يمكن أن يصل الانكماش إلى نسبة 7 % حسب تقديرات البنك الدولي مواكبة لارتفاع التضخم بنسبة تتراوح بين 25 و 30 %".

السيناريو الثاني: استمرار الحرب بعد الهدنة

أما في حال لم تنته الحرب وتمّ استئنافها بعد هدنة وقف إطلاق النار، ودامت أشهرًا إضافية على لبنان وإيران، فسيصبح الوضع كارثيًا إذ سيتأثر الناتج المحلي بشكل مختلف، ما سيقودنا إلى ركود تضخمي، أي إلى ارتفاع كبير في الأسعار وتراجع شديد في الطلب ما يؤدّي إلى ركود اقتصادي ويعني ذلك تراجعًا كبيرًا في الاقتصاد الحقيقي. وقد يحصل ما شهدناه في أزمة 2019 من تراجع الناتج إلى مستوى يتراوح بين 16 أو 18 مليار دولار.

في العام 2024 يقول بو دياب "بلغت قيمة الخسائر المباشرة وغير المباشرة 14 مليار دولار، لم نشهد دعمًا سوى قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لزوم الكهرباء وإعادة إعمار البنية التحتية وبالتالي لم نخرج من أزمة خسائر حرب إسناد غزة لتضاف إليها اليوم خسائر حرب 2026. وكل أرقام 2024 لا يعني أن هناك تعافيًا في العام 2025 وإنما  هناك نموّ هش في الاقتصاد لم يبنَ على الاقتصاد الحقيقي".

واستنادًا إلى تقرير إدارة الإحصاء المركزي، فإن نسبة الإنفاق الاستهلاكي بلغت 120 % من الناتج المحلي وتحويلات المغتربين 6,2 % وبالتالي لا يوجد اقتصاد داخلي وإنما اقتصاد من الخارج وإذا كانت لدى الخارج أزمة تنتقل إلى الداخل خاصة أن لبنان متعثر بسبب الحرب.

الطريق إلى ناتج الـ 53 مليار دولار

في ظلّ هذين السيناريوين يبقى خيار وقف الحرب نهائيًا والتوافق خلال فترة المفاوضات على تلك النقطة، الحلّ الأنجع للانتقال إلى الغد الأفضل الموعود الخالي من السلاح والحروب، ما يعبّد الطريق لوضع الإصلاحات على طاولة التطبيق ودخول الاستثمارات إلى البلاد وعودة السيّاح إلى لبنان وفتح المصانع أبوابها وتأمين فرص عمل... ما سيحدّ من الركود والتضخم فيرتقي الاقتصاد إلى مستويات يُلامس فيه ناتجه المحلّي مستويات ما قبل الأزمة المالية.