كيف تراجع دور فرنسا وموقعها في لبنان؟

تبدو فرنسا واحدة من أبرز الخاسرين في مرحلة ما بعد حرب 2024. فالدولة التي لطالما اعتبرت أنها صاحبة النفوذ الأوروبي الأول في لبنان، تجد نفسها خارج معظم المسارات التفاوضية والسياسية المرتبطة بمستقبل جنوب لبنان والترتيبات الأمنية الجارية، فيما تتقدم الولايات المتحدة إلى واجهة المشهد بوصفها المرجعية الوحيدة القادرة على إدارة التفاوض بين لبنان وإسرائيل.


اللافت أن تراجع الدور الفرنسي لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء بفعل تقاطع مصالح إسرائيلية وأميركية، إضافة إلى خيارات اتخذتها السلطة اللبنانية نفسها، جعلت باريس خارج دائرة التأثير الفعلي رغم حضورها داخل آلية مراقبة وقف النار.

رفض إسرائيلي متواصل
منذ بداية الحرب، لم تنظر إسرائيل بعين الارتياح إلى المبادرات الفرنسية. فتل أبيب ترى أن باريس اعتمدت طوال السنوات الماضية مقاربة تقوم على احتواء "حزب الله" داخل النظام اللبناني بدلاً من مواجهته، وهو ما أوجد أزمة ثقة عميقة بين الجانبين.

وعندما حاولت فرنسا طرح أفكار تتعلق بتطبيق القرار 1701 وتعزيز دور الجيش اللبناني والقوة الدولية في الجنوب، تعاملت إسرائيل مع تلك الطروحات بحذر شديد، معتبرة أنها لا توفر الضمانات الأمنية التي تطالب بها.


وبانتهاء الحرب وتشكيل آلية مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، بدا واضحاً أن إسرائيل لا ترغب في منح فرنسا أي دور يتجاوز الإطار الشكلي، مفضلة حصر التواصل والتنسيق مع الولايات المتحدة باعتبارها الطرف الوحيد القادر على تقديم ضمانات ملزمة.


واشنطن تحتكر الملف
في المقابل، لم تُبد الولايات المتحدة حماسة كبيرة لإعطاء باريس دورا متقدما في المفاوضات. فمنذ وقف النار، باتت واشنطن تدير عملياً معظم الاتصالات المرتبطة بالوضع الأمني جنوبا، سواء عبر اللجنة المشرفة على الاتفاق أو عبر القنوات السياسية والعسكرية المفتوحة مع بيروت وتل أبيب.


ويعود ذلك إلى اختلاف النظرة بين البلدين. فالولايات المتحدة تتعامل مع الملف اللبناني من زاوية أمن إسرائيل واحتواء النفوذ الإيراني، فيما تركز فرنسا على حماية استقرار الدولة اللبنانية ومنع انهيار مؤسساتها. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، بدت المقاربة الأميركية أكثر انسجاماً مع الأولويات الإسرائيلية، ما عزز موقع واشنطن وأضعف موقع باريس.

رهان فرنسي خاسر
العامل الأكثر دلالة يتمثل في موقف السلطة اللبنانية نفسها. ففرنسا كانت تراهن على أن يشكل انتخاب رئيس الجمهورية وتأليف الحكومة الجديدة فرصة لاستعادة نفوذها التقليدي داخل الدولة اللبنانية، خصوصاً أنها اضطلعت بدور داعم للاستحقاقات السياسية خلال السنوات الأخيرة.


إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الرئاسة والحكومة اختارتا مسايرة واشنطن ضمن المسار الأميركي، انطلاقاً من اقتناع بأن واشنطن وحدها تملك القدرة على التأثير في إسرائيل وانتزاع أيّ تفاهمات تتعلق بالجنوب أو بالملفات الأمنية العالقة.


لذلك لم تمارس الدولة اللبنانية أي ضغط فعلي من أجل توسيع الدور الفرنسي في المفاوضات أو داخل آلية المتابعة، بل بدت حريصة على عدم إرباك المسار الذي ترعاه الولايات المتحدة، وهو ما فُسّر في الأوساط الديبلوماسية الفرنسية بأنه تخلّ غير مباشر عن الرهان الذي وضعته باريس على السلطة الجديدة.

فرنسا خارج الدائرة
هكذا وجدت فرنسا نفسها بين رفض إسرائيلي واضح، واحتكار أميركي للوساطة، وبرودة لبنانية حيال إعادة إحيـاء دورها. والنتيجة أن باريس التي كانت لعقود لاعباً أساسياً في الملفات اللبنانية الكبرى، باتت خارج الدائرة الضيقة التي ترسم مستقبل الجنوب ومسار التفاهمات المرتقبة.