كيف تعمل السّعودية على تحصين لبنان؟

المشهد السياسي والأمني الحالي في لبنان شديد التعقيد. هناك استمرار للهجمات الإسرائيلية التي طال عدوانها مسعفين وصحافيين ومدنيين، وهدماً للمنازل، مع عودة للعمليات العسكرية لـ"حزب الله" في الجنوب، الأمر الذي يجعل "الهدنة" أكثر هشاشة ويستدعي العمل الديبلوماسي من أجل تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لترتيبات أمنية تدفع نحو خروج القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة النازحين، تمهيداً لخطوتين أساسيتين: إعادة الإعمار وبسط الجيش اللبناني سيادته على مختلف الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد مؤسسات الدولة فقط.

جهد سعودي
بغية بناء شبكة أمانٍ تمنع انهيار الدولة، ودعم التفاهمات الداخلية بين مؤسساتها، جاء الجهد الديبلوماسي السعودي لتهيئة أجواء إقليمية مواتية تخرج لبنان تدريجياً من صراع المحاور، بحيث لا يكون ورقة تفاوضية تستخدمها إيران في حوارها مع الولايات المتحدة، ولا ساحة تفرض عبرها إسرائيل بالقوة أمراً واقعاً.
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، أجرى في 23 نيسان/إبريل الماضي اتصالاً هاتفياً برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري،  بحثا فيه "التطورات على الأراضي اللبنانية والمساعي المبذولة لوقفٍ كاملٍ للاعتداءات الإسرائيلية عليها" مع تجديد "موقف المملكة الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية وتمكين مؤسسات الدولة فيها".
 
بيان الخارجية السعودية أشار إلى أن الرئيس نبيه بري أشاد بـ"دور المملكة وجهودها المتواصلة في دعم لبنان والحفاظ على أمنه وأمن المنطقة"، مؤكداً "تمسك لبنان باتفاق الطائف" ورفضه لـ"كل ما يهدد المملكة ويمس أمنها".
هذه الإشارات من بري مهمة، فهو إضافة لكونه رئيس مجلس النواب يعتبر اليوم الشخصية السياسية الأكثر تأثيراً على "حزب الله" والقادر على مخاطبة جمهوره بلغة يفهمها ومن دون أن يتهمه "الحزب" بـ"الخيانة"، ما يجعل موقعه مهماً للغاية في المرحلة المقبلة، نحو الدفع بتغييرات حقيقية تساعد في تخفيف الاحتقان الطائفي وتسهّل عملية حصر السلاح بيد الدولة، وتعطي طمأنينة للنازحين بخصوص عملية إعادة الإعمار والعودة إلى قراهم ومدنهم في الجنوب.
أيضاً، الرئيس نبيه بري حينما يؤكد "رفض كل ما يهدد المملكة ويمس أمنها" فإنه يضع نفسه ضمن موقف عربي واضح، ينحاز فيه إلى الأمن والاستقرار، متخففاً من سطوة خطاب ثوري - تحريضي قاد في الفترات الماضية إلى عزلة عن المحيط العربي، وهو الأمر الذي يرى بري أنه كان خطيئة سياسية، وحان الوقت لتصحيحها وترسيخ علاقات حسنة مع المملكة العربية السعودية، عبر مؤسسات الدولة، ومن دون الاصطفاف في محاور عابرة للحدود على حساب مصلحة لبنان الكيان والشعب.  
في صلبِ هذا الحراك أيضاً، كانت هنالك زيارة قام بها  لبيروت الأمير يزيد بن فرحان، مستشار وزير الخارجية للشؤون اللبنانية، التقى خلالها الرؤساء الثلاثة وشخصيات نيابية، في مسعى لتقريب المواقف وتجسيرها، وتوفير تفاهمات داخلية تجعل الموقف اللبناني أكثر انسجاماً وتماسكاً، وتحدُ من أي توترات في الشارع تقوم بها جماعات منفلتة!

سيادة الدولة
الإطار السياسي لهذا التحرك الدبلوماسي ظهر بوضوح في بيان وزارة الخارجية السعودية الصادر في 16 نيسان الماضي، إذ رحب بإعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله"، مؤكداً وقوف المملكة إلى "جانب الدولة اللبنانية في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية"، مع الإشادة بالخطوات الإصلاحية ومساعي الحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.
إن الأولويات السعودية مترابطة، وتأتي لتكمل بعضها بعضاً، وصولاً إلى مرحلة الاستقرار والتنمية، وهي تتمثل في: وقف دائم لإطلاق النار، وخروج قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على مختلف الأراضي وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، تمهيداً لعودة النازحين، وإطلاق الإعمار، وإصلاح مؤسسات الدولة.