لأول مرة منذ عقود.. ماذا يعني إخلاء الحيّ المسيحي في صور؟

لم يكن الإنذار الإسرائيلي الأخير بإخلاء أجزاء من مدينة صور حدثاً عادياً بالنسبة إلى أبنائها. فالمرة الأولى منذ عقود التي يُدرج فيها الحي المسيحي في قلب المدينة القديمة ضمن مناطق الإخلاء، أثارت قلقاً واسعاً تجاوز المخاوف الأمنية المباشرة ليشمل مصير مدينة تُعد من أقدم مدن العالم وأحد أبرز رموز التعايش في لبنان.

وجاء التحذير، الثلاثاء، على لسان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الذي قال إن عناصر من “حزب الله” ينشطون داخل المنطقة، معتبراً أن الحزب يتعامل مع هذا الحي باعتباره ملاذاً آمناً نسبياً.

مدينة تختصر التعايش اللبناني

ويكتسب الإنذار أهمية خاصة نظراً إلى طبيعة صور التاريخية والاجتماعية. فالمدينة القديمة تنقسم إلى ثلاثة أحياء رئيسية: الحارة المسيحية شمالاً بما تضمه من كنائس ومبانٍ تراثية وأزقة حجرية عتيقة، والحارة الإسلامية جنوباً التي تزخر بمعالم تعكس الطابع العمراني الإسلامي، ومنطقة “الخراب” المطلة على البحر، والتي تحتضن مقابر للمسيحيين والسنّة والشيعة، في صورة تعكس التنوع الذي ميّز المدينة عبر القرون.

وعلى الرغم من الحروب والأزمات التي شهدها لبنان، بقيت صور نموذجاً فريداً للعيش المشترك، حيث تتجاور الكنائس والمساجد وتتشابك العلاقات الاجتماعية بين مختلف مكوناتها. إلا أن الحي المسيحي، الذي استقبل خلال الأشهر الماضية عدداً من النازحين من المناطق المجاورة، وجد نفسه اليوم للمرة الأولى ضمن نطاق أوامر الإخلاء.

إرث حضاري مهدد

ولا تقتصر أهمية صور على نسيجها الاجتماعي، بل تمتد إلى مكانتها التاريخية العالمية. فالمدينة التي يعود تاريخها إلى نحو 2750 عاماً قبل الميلاد مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتضم مواقع أثرية تُعد من الأبرز في منطقة شرق المتوسط.

وقد ازدادت المخاوف على هذا الإرث بعد تعرض أحد المواقع الأثرية الذي يضم المرفأ الفينيقي والقلعة الصخرية لأضرار جراء قصف إسرائيلي قبل أيام، ما أثار تساؤلات حول مصير بقية المعالم التاريخية في حال توسعت دائرة العمليات العسكرية.

تحديات إنسانية متفاقمة

وعلى مقربة من الحي المسيحي يقع مبنى أثري يعود إلى العهد العثماني ويُستخدم حالياً سجناً يضم عشرات النزلاء، الأمر الذي يثير تساؤلات حول سلامة الموجودين فيه في ظل التطورات المتسارعة.

كما تحيط بالمدينة ثلاثة مخيمات فلسطينية رئيسية هي البص والرشيدية والبرج الشمالي، ويقطنها أكثر من 55 ألف لاجئ فلسطيني، ما يزيد من حجم المخاوف الإنسانية مع اتساع نطاق الإنذارات والتهديدات.

وتبرز في هذا السياق تساؤلات حول قدرة الدولة اللبنانية على استيعاب أي موجة نزوح جديدة وتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان والنازحين واللاجئين، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية خانقة. فصور نفسها كانت تواجه خلال الأسابيع الماضية صعوبات في تأمين المحروقات والمواد الغذائية والخدمات الأساسية، ما يجعل أي عملية إخلاء واسعة أكثر تعقيداً.

حراك أهلي ورسائل سياسية

بالتوازي مع التطورات الأمنية، شهدت المدينة خلال الأشهر الأخيرة حراكاً مدنياً لافتاً دعا إلى تحييد صور عن دائرة الاستهداف والحفاظ على طابعها التاريخي والإنساني.

وفي أواخر أيار الماضي، أطلق عدد من أبناء المدينة عريضة طالبوا فيها بإعلان صور مدينة مفتوحة وخالية من السلاح، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية، إلى جانب إطلاق تحرك دبلوماسي عربي ودولي لحماية المدينة ومواقعها الأثرية، إلا أن هذه المبادرة لم تترجم إلى خطوات عملية حتى الآن.

ويرى متابعون أن توسيع نطاق الإنذارات ليشمل الحي المسيحي لا يمكن فصله عن السياق السياسي القائم، إذ يتزامن مع مسار المفاوضات الجارية بشأن الجنوب اللبناني، ومع الدور الذي يؤديه رئيس مجلس النواب نبيه بري في هذا الملف، لا سيما أن صور تُعد من أبرز معاقل حركة “أمل” التي يتزعمها.