لا تراه أعين المفتشين.. "جبل الفأس" يهدد بنسف التفاهم بين ترامب وطهران

يواجه مسار التهدئة الدبلوماسية بين طهران وواشنطن اختبارًا حرجًا، عقب كشف معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS) عن استمرار أعمال التشييد والتحصين داخل منشأة "جبل الفأس" النووية السرية الإيرانية في جبال زاغروس.

وأثار الكشف عن مواصلة إيران عمليات الحفر والتدعيم الخرساني في هذا الموقع غير الخاضع للتفتيش الدولي، مخاوفَ غربية وشكوكًا حول نية طهران الحقيقية، كما يُعد مؤشرًا على خرق التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم الموقعة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ ما يهدّد بتقويض فرص التوصل إلى اتفاق نهائي شامل بين الجانبين.

وتُصنّف منشأة "جبل الفأس" (المعروفة محليًّا بموقع جبل كوه كولانغ غاز لا) ضمن الجيل الأحدث والأكثر تعقيدًا من المرافق النووية الإيرانية تحت الأرض، وتقع المنشأة على بُعد كيلومترين جنوب مجمع نطنز الشهير.

ووفقًا للتحليلات الفنية المستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية (مثل قمر Vantor)، فإن الموقع محفور على عمق يصل إلى نحو 600 متر تحت باطن الأرض.

وأظهرت الصور قيام إيران بإضافة تدابير دفاعية وهيكلية متطوّرة شملت صب كتل خرسانية مسلحة فائقة السماكة لتقوية البوابات الشرقية والغربية للأنفاق، مع استخدام مواد أتربة وصخور لعرقلة حركة المركبات السريعة وحماية المداخل من موجات الارتداد الانفجاري.

وجاء التركيز على "جبل الفأس" في وقت تشهد فيه منشآت إيرانية رئيسية أخرى ركودًا ملحوظًا، حيث أشار معهد (ISIS) في تقريره الصادر منتصف عام 2026 إلى أن بوابات الأنفاق في منشأة "أصفهان" ما زالت مردومة بالأتربة والركام دون أنشطة جديدة، في حين أضيفت حواجز ومنعطفات لولبية على الطرق المؤدية لمنشأة "فوردو" الجبلية لإبطاء حركة المرور دون رصد توسيعات تشغيلية مماثلة لِما يحدث في "جبل الفأس".

هندسة التحصين في أعماق الغرانيت

وشملت الأعمال الجديدة في" جبل الفأس" صب كتل خرسانية مسلحة فائقة السماكة، فضلًا عن إنشاء حواجز ترابية وصخرية دقيقة جدًّا على الطرق المؤدية إلى الأنفاق لإبطاء حركة الآليات ومنع أي اقتحام سريع للمنشأة. 

مخاوف "المنطقة العمياء"

وجاء عودة تسليط الضوء على هذه المنشأة غير الخاضعة للتفتيش الدولي بعد فترة وجيزة من تحرك "الترويكا الأوربية" (فرنسا، ألمانيا، وبريطانيا) بدعم أميركي لتفعيل آلية الزناد تحت مظلة مجلس الأمن.

وهدف هذا التحرك القانوني إلى إعادة فرض العقوبات الأممية الشاملة للضغط على طهران لتقديم تنازلات وفتح منشآتها أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إلا أن الاستجابة الإيرانية جاءت عكسية عبر تسريع وتيرة العمل تحت الأرض.

وأكدت مصادر غربية، أن بقاء منشأة "جبل الفأس" خارج نطاق المراقبة اللصيقة للوكالة الدولية يخلق ما يسمى بـ "المنطقة العمياء".

وحذّرت المصادر في تصريح لـ"إرم نيوز"، من أن "حجم المنشأة ومستوى الحماية الطبيعية التي يوفرها الجبل الشاهق يثيران قلقًا فوريًّا ومبررًا بشأن ما إذا كانت طهران تخطط لنقل أنشطة بالغة الحساسية إلى هناك، وعلى رأسها تصنيع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة أو حتى إعادة إطلاق عمليات تخصيب اليورانيوم بشكل سري تمامًا بعيدًا عن أعين المفتشين".

وأوضحت المصادر، أن الكشف عن استمرار العمل في منشأة "جبل الفأس " النووية الإيرانية يهدد بشكل مباشر التفاهمات السياسية الأخيرة بين واشنطن وطهران، وسهم في زيادة الشكوك حول نية طهران الحقيقية تجاه مذكرة التفاهم المبرمة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب.

 وتستهدف المذكرة المبرمة بين الجانبين وضع إطار عمل لإنهاء النزاع النووي مقابل شروط صارمة وضمانات لوقف التصعيد.

ومن جانبه، يقول المحلل السياسي ياسين الدويش، إنه إذا كانت إيران جادة حقًّا في مفاوضاتها الجارية للتوصل إلى تسوية نهائية، فإن الخطوة البديهية الأولى لإثبات حُسن النية هي الوقف الفوري والشامل لأعمال البناء والتحصين في موقع "جبل الفأس".

وأضاف، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن استمرار الحفر والتدعيم الخرساني في هذا التوقيت بالذات، بينما يتفاوض الدبلوماسيون، يبعث برسالة واضحة مفادها أن النظام الإيراني يبني ملاذًا آمنًا يحميه من أيّ ضغوط مستقبلية أو ضربات عسكرية؛ ما يجعل الاتفاقيات الدبلوماسية مجرد أداة لكسب الوقت.

وأشار إلى أن مذكرة التفاهم الحالية لا تتضمن بنودًا صريحة وواضحة تلزم إيران بوقف العمل في المواقع غير المفتشة، مثل: "جبل الفأس"، لذا فإن طهران تحاول استغلال الثغرات القانونية لتأمين بنيتها التحتية النووية.

وبرغم تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا أن طهران "تتطلع بشدة للتوصل إلى اتفاق" بسبب الأوضاع الاقتصادية الخانقة ومعدلات التضخم المرتفعة داخلها، تشير تقارير صحفية أميركية إلى أن قادة البنتاغون، بمن فيهم وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة، يراقبون بحذر شديد تحصينات "جبل الفأس".

ويناقش الجانب الأميركي داخليًّا سيناريوهات العودة إلى الخيارات الخشنة إذا تيقنوا أن المنشأة باتت تضم مخزونات من اليورانيوم عالي التخصيب (بنسبة 60%) أو معدات إنتاج متطورة تم نقلها سرًّا قبل خروج المواقع الأخرى عن الخدمة.

في المقابل، تصر الدبلوماسية الإيرانية على نفي وجود أي مواقع تخصيب سرية أو غير معلنة، معتبرة أن الأنشطة الإنشائية تندرج ضمن الحقوق الدفاعية وإعادة الإعمار. لكن التزامن بين حفر الأنفاق في "جبل الفأس" والتصلب الإيراني في منع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول الحر للمواقع الحساسة، يضع الاتفاقيات الدبلوماسية الهشة على المحك.

وفي ضوء المعطيات السابقة، يبقى استمرار العمل في "جبل الفأس" شاهدًا على صراع الإرادات بين طهران التي تبحث عن طوق نجاة تحت صخور الغرانيت، وبين مجتمع دولي يرى في هذه التحصينات دليلًا قاطعًا على أن طموح طهران النووي لم يتوقف.