المصدر: إرم نيوز
الاثنين 26 كانون الثاني 2026 17:39:28
أبدت مصادر دبلوماسية خشيتها من أن يكون لبنان قد دخل في مرحلة من الضغط الاسرائيلي الجديد من خلال تكثيف الغارات على قرى وبلدات شمال الليطاني، لفرض منطقة أمنية منزوعة السلاح حتى الزهراني، على أن تكون تلك المنطقة عرضة لضربات إسرائيلية متواصلة.
وتقاطعت قراءات دبلوماسية وأمنية لبنانية على أن موجة الغارات الإسرائيلية التي اتسعت خلال الأيام الماضية إلى قرى وبلدات شمال نهر الليطاني لم تعد تُقرأ كعمليات "ردعية" معزولة، بل كجزء من ضغط مرحلي هدفه دفع لبنان نحو قبول واقع أمني جديد يتجاوز خط الليطاني، وصولًا إلى منطقة منزوعة السلاح حتى الزهراني، تكون مفتوحة على ضربات متواصلة كلما قالت إسرائيل إنها رصدت "إعادة تموضع" أو "تخزين سلاح".
مصادر عسكرية لبنانية تابعت مسار التصعيد قالت لـ "إرم نيوز" إن إسرائيل تُحاول "تثبيت معادلة" مفادها أنه طالما أن نزع السلاح جنوب الليطاني لم يُنتج هدوءا دائما وفق الرواية الإسرائيلية، فإن الميدان سيتقدم شمالا عبر بنك أهداف أوسع، بما يضع الدولة اللبنانية أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما توسيع نطاق إجراءاتها إلى ما بعد الليطاني، أو بقاء مناطق إضافية تحت ضغط ناري دائم.
شمال الليطاني.. الغارات "أداة تفاوض"
اللافت، وفق المصادر، أن الغارات الأخيرة لم تكتفِ بالمناطق الحدودية التقليدية، بل ركزت على مساحات تعتبرها إسرائيل "عمقا عملياتيا" لـ"حزب الله" في إقليم التفاح والنبطية ومحيطهما، مع تسجيل استهدافات وإصابات في نطاقات أبعد، بينها محيط الزهراني وما يتصل بمحاور الحركة جنوبا وشمالا.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير إلى سقوط قتلى وجرحى في غارات متفرقة، وسط تبرير إسرائيلي متكرر بأنها تستهدف "عناصر" و"بنى تحتية" للحزب، فيما ترى بيروت أن اتساع الضربات يقوض أي حديث عن استقرار طويل.
الزهراني.. لماذا هذا الخط بالتحديد؟
تُرجع مصادر أمنية لبنانية، خلال حديثها لـ "إرم نيوز"، حساسية خط الزهراني إلى أنه ليس مجرد قضاء أو طريق، بل عتبة جغرافية تفصل بين نطاقين؛ جنوب الليطاني الذي يُفترض أنه خاضع لترتيبات أكثر تشددا، وبين ما فوقه حيث يمتلك "حزب الله" هامش حركة أوسع تقليديا.
وتقول هذه المصادر إن إسرائيل تحاول عمليا الدفع نحو "حزام أمني غير معلن" يمتد من الحدود إلى ما بعد الليطاني باتجاه الزهراني، عبر تكثيف ضربات دقيقة ومتتابعة تُبقي المنطقة في حالة تعطيل، بما يفرغ أي انتشار لبناني من مفعوله إن لم يُستكمل بتقييد السلاح خارج جنوب الليطاني أيضًا.
سقف مطالب متحرك
وكانت الحكومة اللبنانية تحدثت عن تقدم ملموس في فرض السيطرة جنوب الليطاني، ضمن مسار يرتبط عمليا ببنود التهدئة القائمة منذ أواخر 2024، مع حديث عن توسيع الإجراءات لاحقا إلى شمال الليطاني.
لكن إسرائيل، بحسب تغطيات متعددة، تُبدي تشكيكا متواصلا في "كفاية" ما تحقق على الأرض، وتتعامل مع أي ثغرة أو ادعاء بوجود سلاح كمبرر لرفع مستوى الضربات؛ وهو ما يخلق "سقفا متحركا" للمطالب يبدأ بالليطاني ولا يتوقف عنده.
وفي الموازاة، يتعزز الضغط الدولي سياسيًا وإعلاميًا على ملف السلاح، مع عودة الحديث في تقارير غربية عن توسيع نطاق نزع السلاح تدريجيًا، ومع تصريحات وقراءات تربط الاستقرار بمسار تفكيك الترسانة خارج الجنوب أيضا.
الرسائل الأمريكية: نزع السلاح لا يبقى جنوبا
على خط "الميكانيزم" الذي يجتمع دوريا في الناقورة، تُظهر المعطيات المتداولة أن التنسيق التقني والعسكري لا ينفصل عن الرسائل السياسية؛ فدعم الجيش اللبناني جنوب الليطاني خطوة أولى، لكن استمرار الضربات الإسرائيلية شمالا يُستخدم كرافعة للقول إن "الملف لم يُقفل".
وتشير مصادر لبنانية إلى أن تل أبيب تراهن على أن توسيع الضربات شمال الليطاني سيخلق ضغطًا داخليًا واقتصاديًا وأمنيًا يدفع باتجاه قبول مقاربة "نزع أوسع"، خاصةً مع تصاعد خطابات دولية تطالب بأن يكون "حزب الله" منزوع السلاح بالكامل.
اختبار سيادة أم فرض وقائع؟
تنقل مصادر "إرم نيوز" عن دبلوماسسين لبنانيين قولهم إن عبارة "لا سلاح حتى الزهراني" تختصر جوهر المرحلة؛ لأن إسرائيل لا تريد فقط ضمانات جنوب الليطاني، بل تريد توسيع منطقة الأمان بالقوة عبر ضربات متدرجة تُعيد رسم خطوط "المسموح والممنوع" ميدانيًا.
ومع أن بيروت تراهن على انتشار الجيش واستكمال الإجراءات تدريجيا، فإن واقع الغارات شمال الليطاني يفتح سباقا بين منطق الدولة ومنطق فرض الوقائع، في وقت يبدو فيه أن إسرائيل تتعامل مع "الليطاني" كنقطة بداية لا كنهاية.
الزهراني جغرافيا و"تسليحا"؟
الزهراني منطقة ساحلية في جنوبي لبنان تقع ضمن قضاء صيدا، قرب مصب نهر الزهراني وعلى الطريق الساحلي الذي يربط صيدا بصور، وتُعد عقدة حيوية بسبب وجود معمل كهرباء الزهراني ومنشآت خدماتية محيطة به.
جغرافيا، تبعد الزهراني عن الحدود اللبنانية - الإسرائيلية مسافة تُقدر بنحو 50 إلى 60 كيلومترا (بحسب نقطة القياس على الحدود)؛ ما يجعلها خارج نطاق "جنوب الليطاني" التقليدي الذي يدور حوله الجدل الأمني.
أما لناحية انتشار "حزب الله"، فتفيد المصادر العسكرية اللبنانية، أن هذه المنطقة لا تُصنّف عادة كـ"خط تماس" أو نطاق مواجهات مباشر، لكنها تُعتبر ضمن العمق الجنوبي الحساس الذي قد توجد فيه بنى دعم لوجستية ومسارات حركة ومخازن متفرقة وفق تقديرات أمنية، من دون أن يعني ذلك أنها منطقة انتشار علني أو كثيف لمواقع ثابتة على نمط القرى الحدودية، وهو ما يمنحها في الرواية الإسرائيلية وظيفة "الضغط ما بعد الليطاني" أكثر من كونها ساحة اشتباك تقليدية.