المصدر: الانباء الكويتية
الكاتب: اتحاد درويش
الأربعاء 29 نيسان 2026 00:38:35
قد يكون من الصعب في الوقت الحالي تقدير كلفة إعادة الإعمار للقرى والبلدات الجنوبية المدمرة في ظل الحرب الراهنة، إلا أن هذا الملف الذي ينتظر الحكومة، سيكون من أكثر الملفات تعقيدا بالنظر إلى حجم الكارثة المتمثلة بالدمار الواسع الذي لحق بعدد كبير من القرى، لاسيما تلك الوقعة على الحافة الحدودية الأمامية، وسط تساؤلات حول قدرة الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي على الاستجابة لهذا التحدي الكبير.
وبناء عليه، لاتزال الآلة العسكرية الإسرائيلية تمعن تفجيرا في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، والتي تعرضت ولاتزال لعملية تدمير شاملة وممنهجة أدت إلى بقائها على الخرائط الجغرافية، مع تغيير كامل على أرض الواقع.
ولا يقتصر الأمر على تلك المنطقة، اذ يطاول القصف المدن والبلدات الواقعة شمالا، والذي أدى إلى تضرر في أماكنها السكنية ومؤسساتها التجارية والتربوية والصحية على نحو هائل، فضلا عن تدمير الساحات العامة والجسور والبنى التحتية، وكلها سواء في المنطقتين تحتاج إلى سنوات طوال لإعادتها على النحو الذي كانت عليه، والى أموال طائلة لإعادة إعمارها.
ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي د.محمد موسى ردا على سؤال لـ «الأنباء» أن «لبنان سيواجه تحدي إعادة الإعمار في ظل تعقيدات سياسية عميقة تتجاوز مسألة تأمين التمويل بحد ذاته. المشكلة الأساسية تكمن في غياب الاستقرار السياسي وافتقاد الثقة الدولية بالمؤسسات اللبنانية، ما يجعل أي مشروع إعمار واسع النطاق رهينة التوافقات الداخلية والإقليمية. وأظهرت التجارب السابقة أن تدفق الأموال مرتبط دائما بوجود مظلة سياسية واضحة وإدارة شفافة، الأمر غير المتوافر بشكل كاف. لذا، فإن قدرة لبنان على الانطلاق بورشة إعمار جدية ستبقى محدودة ما لم تتوافر تسوية سياسية تفتح الباب أمام دعم خارجي منظم وتؤسس لبيئة داخلية أكثر استقرارا».
وقال موسى: «لا يمكن القول إن مصادر التمويل محسومة في ظل استمرار الحرب. التمويل الخارجي، سواء من الدول المانحة أو المؤسسات الدولية، يبقى مشروطا بعاملين أساسيين: توقف الأعمال العسكرية وقيام لبنان بإصلاحات بنيوية جدية. حتى صندوق النقد الدولي لا يقدم وعودا مفتوحة، بل يربط أي برنامج دعم بتنفيذ إصلاحات مالية ومصرفية عميقة، وهي إصلاحات لم تنجز بعد. إضافة إلى ذلك، فإن أي دعم إقليمي محتمل سيكون بدوره مرتبطا بالتوازنات السياسية ومسار النزاع وحل مسألة السلاح على قاعدة الحفاظ على السلم الأهلي ومقاربة الأمور ضمن التغييرات الدولية الحاصلة في المنطقة والعالم، ما يعني أن صورة التمويل لاتزال ضبابية وغير مستقرة».
وتابع موسى: «قدرة لبنان على تحمل ورشة إعمار كبيرة في ظل انكماش اقتصادي بنحو 7% وربما أكثر، تبدو محدودة للغاية. فالاقتصاد اللبناني يعاني أصلا من ضعف في الإيرادات العامة، وانكماش في النشاط الاقتصادي، وأزمة ثقة حادة في القطاع المالي. وأي توسع في الإنفاق لإعادة الإعمار من دون مصادر تمويل خارجية كافية، قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على العملة وارتفاع معدلات التضخم، ما يفاقم الأزمة بدل معالجتها، وبالتالي فإن أي عملية إعمار يجب أن تكون مدروسة بعناية، قائمة على دعم خارجي مستدام، ومترافقة مع إصلاحات داخلية تعيد تحريك الاقتصاد وتخفف من الأعباء على المالية العامة. ولكن يبقى كل ذلك كلاما ما لم تضع الحرب أوزارها وتهدأ الحرب الاقليمية وتتضح الرؤية لما هو قادم في الجنوب، خصوصا أن الاحتلال الاسرائيلي لا يزال قائما والحلول معه لاتزال مستعصية في انتظار الضغوط الأميركية عليه لبلورة صفقة كما يحب ترامب دائما».
وفي الجانب المتصل بالتعويض على المتضررين من الحرب، وعن مقاضاة اسرائيل على جرائمها المرتكبة بحق لبنان يشرح أستاذ القانون في الجامعة اللبنانية المحامي د.جاد طعمة لـ«الأنباء» ان «هذا التعويض يأتي أولا على شكل مساعدات تتصف بكونها طوعية، وذلك عبر المنظمات الخاصة مثل الأمم المتحدة أو الجمعيات الإنسانية، وهي تكون للتعويض عن أمور مادية تتصل ببدل السكن أو بدل الأذى وبمسائل طبية».
أما الشكل الثاني، فهو التعويض بمعنى جبر الضرر الحاصل، وهنا على الدولة اللبنانية أن تحاسب الدولة المعتدية من خلال الآليات القانونية المتاحة وفقا لقواعد القانون الدولي. وتكون عندها الدولة المعتدية ملزمة بالتعويض وهذا التعويض الذي نلزم به الدولة المعتدية يكون لجبر الضرر اللاحق بالدولة المعتدى عليها.
وهذه الآلية متاحة من خلال مجلس الأمن الدولي، ويمكن هنا أخذ المثال على ذلك كيف فرض على العراق التعويض لدولة الكويت نتيجة الأضرار التي لحقت بها أثناء الاجتياح العراقي، حيث فرض مجلس الأمن الدولي نظام النفط مقابل الغذاء، الذي ساهم خلال فترة تطبيقه تأمين كامل التعويضات للكويت».
وبحسب د.طعمة «أن التعويضات يكون لها مرتكز سياسي، فإسرائيل برغم كل الحروب التي خاضتها والأضرار الجسيمة التي ألحقتها بالدول المعتدى عليها لم تلزم بالتعويض على أي من هذه الدول. لكن قد يكون من واجب الدولة اللبنانية أن تقوم بهذا العمل القانوني، بغض النظر عن القدرة أو عدمها في التوصل إلى تعويض، وقد يتعاضد معها المجتمع الدولي من أجل فرض دفع التعويضات، لأنه لا يجب أن يبقى لبنان ينتظر المساعدات من الجهات غير الملزمة بجبر الضرر لأن لا علاقة لها به».
ولفت طعمة النظر إلى «أن استهداف القرى والبلدات ذات الطبيعة المدنية، وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية تعتبر حسب اجتهاد المحكمة الجنائية الدولية الثابت منها والمستقر، بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ويكون في هذه الحالة لزاما على الدولة اللبنانية أن تعترف بنظام روما الأساسي من أجل إتاحة المجال لتقديم شكاوى أمام الأشخاص الذين قاموا بارتكاب جرائم حرب في لبنان، لأن له مصلحة في ذلك وهو ضحية ومعتدى عليه وارتكبت اعتداءات بحق أهله من المدنيين والصحافيين، ومن طواقمه الطبية والإسعافية، فضلا عن تدمير عدد كبير من قراه ومدنه بأبشع الجرائم التي تصنف جرائم حرب».