المصدر: هنا لبنان
الكاتب: ناديا الحلاق
الثلاثاء 12 أيار 2026 11:16:56
المفاوضات الجارية حاليًّا تسير ضمن مسارَيْن متوازيَيْن ومترابطَيْن بشكل مباشر: المسار الأول يتّصل بالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي تُدار برعاية أميركية، فيما يرتبط المسار الثاني بالمفاوضات الإيرانية ـ الأميركية، والتي سيكون لأي تقدّم أو تعثّر فيها انعكاس مباشر على الوضع في الجنوب اللبناني خلال الأيام القليلة المقبلة.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
لم يعد السؤال المطروح في لبنان اليوم ما إذا كانت المفاوضات ستنجح أو تفشل، بل ما إذا كان لبنان قادرًا أساسًا على الدخول في مرحلة سلام واستقرار طالما أنّ قرار الحرب والسلم لا يزال خارج سلطة الدولة. فبعد سنوات من ربط الجنوب اللبناني بالمشروع الإيراني، ودفْع اللبنانيين أثمانًا سياسيةً واقتصاديةً وأمنيةً هائلةً، يبدو أنّ المجتمع الدولي حسم خياراته: لا استقرار في لبنان ولا إعادة إعمار ولا حماية دولية من دون إنهاء واقع السلاح الخارج عن الشرعية.
حزب الله، الذي قدّم نفسه لعقود باعتباره قوة ردع، يجد نفسه اليوم أمام أكبر اختبار سياسي وعسكري منذ تأسيسه. فالمعادلات التي حكمت مرحلة ما بعد 2006 سقطت عمليًّا، وإسرائيل لم تعد تقبل بتسوياتٍ رماديةٍ تسمح للحزب بإعادة تنظيم قدراته تحت غطاء الدولة اللبنانية، فيما واشنطن تدفع باتجاه تغيير جذري في قواعد اللعبة، عنوانه إعادة القرار الأمني والعسكري بالكامل إلى الدولة والجيش اللبناني.
وفي وقتٍ يحاول فيه لبنان الرسمي تفادي الانهيار الشامل أو الانزلاق إلى حرب مفتوحة، تبدو المفاوضات الحالية أشبه بمحاولة دولية لوضع البلاد أمام لحظة حاسمة: إمّا العودة إلى منطق الدولة والسيادة والمؤسسات، أو البقاء رهينة سلاح يجرّ لبنان من مواجهة إلى أخرى خدمةً لمصالح إقليمية لا علاقة لها بمصلحة اللبنانيين.
ضمن هذا المشهد المعقّد، تتقاطع قراءات سياسية مختلفة حول مستقبل المفاوضات، وحدود الدور الأميركي، وإمكان نجاح الضغوط الدولية في فرض واقع جديد على لبنان، في وقتٍ يبقى مصير أي تسوية مرتبطًا بموقف حزب الله، وبمدى استعداده للتخلّي عن دوره العسكري لصالح الدولة اللبنانية.
وفي هذا الإطار، يؤكد الكاتب والصحافي السياسي طوني عطية لـ”هنا لبنان” أنّ الملف اللبناني لم يعد فقط ضمن الأجندة الأميركية، بل أصبح على مكتب سيد البيت الأبيض دونالد ترامب، الذي كلّف وزير خارجيته ماركو روبيو، وهو في الوقت ذاته مستشار الأمن القومي، ويُعدّ، بحسب تعبيرنا اللبناني “الوزير الملك”. وهذا يعني أنّ ملف المفاوضات، وبالتالي قطار السلام، لا يمكن إيقافه إلّا إذا انقلبت موازين القوى الإقليمية، وتمكّنت إيران من إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل السابع من تشرين الأول، وهذا بات مستحيلًا.
ويُضيف عطية أنّ المؤشر الثاني إلى استمرار هذا المسار ونجاحه يتمثل في أنّه على الرغم من تعطّل المفاوضات على خط واشنطن ـ طهران في إسلام آباد، فإنّ خط بيروت ـ تل أبيب لا يزال مفتوحًا في واشنطن. كما أنّ رفع لبنان مستوى التفاوض، من خلال ترؤّس السفير سيمون كرم الوفد اللبناني في الجولة الثالثة من المحادثات المباشرة، يدلّ على أنّ ديناميكية التفاوض تتقدّم، وأنّنا ننتقل من مرحلة التحضير للمفاوضات إلى مرحلة إجرائها.
وعلى الرغم من اختلاف الأولويّات بين الدولتَيْن اللبنانية والإسرائيلية، يشدّد عطية على أنّ “المايسترو الأميركي” سيلعب دورًا محوريًّا في تقريب وجهات النظر. وهذا ما أشار إليه بيان الخارجية الأميركية، إذ أعلنت أنّها “ستسهّل جولتَيْن مكثّفتَيْن من المحادثات… للدفع نحو اتفاق شامل للسلام والأمن، يُعالج بشكل جوهري الهواجس الأساسيّة لكلا البلدين، وإلى القطع الحاسم مع النهج الفاشل الذي ساد خلال العقدَيْن الماضيَيْن، والذي أتاح للجماعات الإرهابية ترسيخ نفوذها وتعزيز مواردها، وتقويض سلطة الدولة اللبنانية، وتعريض الحدود الشمالية لإسرائيل للخطر”.
ويكشف عطية أنّه من المتوقع أن يُبحث خلال جولة الخميس، ما إذا كان ترامب لا يزال متمسّكًا بطرح عقد لقاء بين الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أم أنّه صرف النظر عنه، أقلّه في الوقت الراهن، في إطار تفهّمه للموقف اللبناني الرسمي.
ومن المقاربة السياسية المرتبطة بالدور الأميركي، ينتقل النقاش إلى جوهر الأزمة اللبنانية الداخلية، حيث يرى الصحافي والكاتب المتخصّص بتاريخ لبنان كلوفيس الشويفاتي، أنّ جوهر الأزمة اللبنانية اليوم لم يعد مرتبطًا فقط بالمواجهة العسكرية مع إسرائيل، بل أصبح متعلّقًا مباشرةً بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها السيادي الكامل وفرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
ويعتبر الشويفاتي أنّ أيّ مفاوضات بين لبنان وإسرائيل لا يمكن أن تصل إلى نتائج فعلية طالما أنّ الدولة اللبنانية لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم. فالمفاوضات، بحسب رأيه، تحتاج إلى طرفَيْن قادرَيْن على تقديم التزامات واضحة وضمانات متبادلة. لبنان لديه مطالب محقّة تتعلق بوقف الهجمات الإسرائيلية، وتحرير الأسرى، والانسحاب من الأراضي اللبنانية، وتثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، لكن في المقابل هناك مطلب دولي وإسرائيلي واضح يتمثّل بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ومنع أي تنظيم مسلّح خارج الشرعية من التأثير في أمن الحدود.
ويشدّد الشويفاتي على أنّ العقدة الأساسية تكمن في أنّ الدولة اللبنانية عاجزة حتى الآن عن الإمساك الكامل بالقرار الأمني والعسكري، الأمر الذي يجعل لبنان عرضةً للتجاذبات الإقليمية، خصوصًا عندما يرتبط قرار حزب الله بحسابات تتجاوز الداخل اللبناني.
ومن خلال قراءته لتاريخ لبنان الحديث، يرى الشويفاتي أنّ كل التجارب أثبتت أنّ وجود السلاح خارج إطار الدولة يؤدي حتمًا إلى إضعاف المؤسّسات وفتح الباب أمام الحروب والانقسامات. لذلك، فإنّ الحل، برأيه، لا يكون عبر صدام داخلي بين اللبنانيين، بل عبر مسار تدريجي يؤدّي إلى حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، باعتباره المؤسّسة الوطنية الجامعة والقادرة وحدها على حماية السيادة اللبنانية.
ويحذّر الشويفاتي من أنّ استمرار حزب الله في رفض أي تسوية تؤدّي إلى التخلّي عن قراره العسكري لمصلحة مؤسّسات الدولة سيؤدّي إلى تصاعد الضغوط الدولية والإسرائيلية، وربما إلى مرحلة أكثر خطورة من التصعيد العسكري. أمّا إذا حصل تفاهم داخلي لبناني حول تعزيز سلطة الدولة والجيش، فقد يشكل ذلك مدخلًا لاستقرار طويل الأمد وإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كدولةٍ ذات سيادة كاملة، لا كساحةٍ مفتوحة للصراعات الإقليمية.
ويختم الشويفاتي بالتأكيد أنّ المطلوب اليوم ليس انتصار فريق لبناني على آخر، بل إنقاذ الدولة اللبنانية نفسها، لأنّ أي استمرار في حالة الانقسام والفوضى سيهدّد مستقبل لبنان ومؤسّساته الوطنية.
عن المسار التفاوضي الميداني وتعقيداته الإقليمية، يرى الكاتب والصحافي اسكندر خشاشو أنّ المفاوضات الجارية حاليًّا تسير ضمن مسارَيْن متوازيَيْن ومترابطَيْن بشكل مباشر. المسار الأول يتّصل بالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي تُدار برعاية أميركية، فيما يرتبط المسار الثاني بالمفاوضات الإيرانية ـ الأميركية، والتي سيكون لأي تقدّم أو تعثّر فيها انعكاس مباشر على الوضع في الجنوب اللبناني خلال الأيام القليلة المقبلة.
ويعتبر خشاشو أنّ الدولة اللبنانية، بدعمٍ أميركيّ، تحاول انتزاع ملف الجنوب من الإطار الإقليمي المرتبط بإيران، وإعادته إلى إطار لبناني داخلي بحت، إلّا أنّ هذه المحاولة لا تزال تصطدم بعقبات جدّية. فإسرائيل، بحسب تقديره، لم تقدّم حتى الآن أي ضمانات واضحة، سواء حول الانسحاب أو ملف الأسرى أو حتّى حسم النقاط الحدودية العالقة، كما أنّها لا تزال ترفع سقف مطالبها، وعلى رأسها مسألة سحب سلاح حزب الله، وهو مطلب تُدرك الدولة اللبنانية مسبقًا أنّها غير قادرة على تنفيذه.
وفي المقابل، يُشير خشاشو إلى أنّ موقف حزب الله يشكّل عاملًا حاسمًا في أي مسار تفاوضي، باعتبار أنّ الحزب هو الطرف الفعلي الموجود على الأرض، وأي اتفاق لا يحظى بالتزامه يبقى بلا قيمة عملية أو تنفيذية.
وبحسب قراءته، فإنّ المفاوضات الحالية تبدو طويلةً ومعقّدةً، ولا توجد مؤشرات فعلية إلى إمكانيّة حسمها قريبًا، خصوصًا خلال هذا الأسبوع أو في الأيام القليلة المقبلة. ويستعيد في هذا السياق تجارب سابقة شهدتها آليّة التفاوض غير المباشر، حين وصلت اللقاءات الى طريق مسدود.