لبنان إلى "الثلاثاء الكبير"... مُحاصَر بحقل ألغام

تعيش بيروت أجواءَ تشي بانزلاقٍ نحو «خريفٍ مُخيف» تعبّر عنه ملامحُ انهيارِ مَسار «الخطوات المتبادَلة» مع تل أبيب على جبهة سَحْبِ سلاح «حزب الله» والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلّة جنوباً، ومؤشراتُ اقتياد البلاد إلى المعادلة التي رسمتْها طهران بلسان علي لاريجاني تحت عنوان «الحاجة المتبادَلة» «فإيران تحتاج إلى الحزب والأخير يَحتاج إليها» على الطريق إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة على وقع قرع طبول الحرب من جديد.

ولم يكن ينقص هذه المناخات الشديدة السلبية سوى ضَغط «الترويكا» الأوروبية «على زناد» إعادة تفعيل العقوبات على طهران ومحاولة استدراج الأخيرة لتفاوض حول النووي «تحت الضغط»، ليتكّرس أن لبنان بات واقعياً بين «ناريْ» تَقاطُعٍ إسرائيلي - إيراني غير مباشر على تعطيل عملية سَحْبِ سلاح الحزب الذي يُكْثِر من إطلاقِ إشاراتٍ إلى أن سبتمبر سيشهد تفعيلاً متدرّجاً لـ «زنادِ» التصعيد المتعدّد الشكل، بما في ذلك بالشارع، في حال أصرت الحكومة على المضي بمسار تفكيك ترسانته العسكرية، ولو بات مصيرُها برمّته على المحك.
وفيما باتت الغيومُ البالغة القتامة تحوم فوق جلسة الحكومة الثلاثاء المقبل، والتي يُفترض أن تناقش خطةَ الجيش حول كيفية تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة بحلول نهاية السنة، بدا لبنان وكأنه مُحاصَر بحقل ألغام، غير قادر على التقدّم في مسارٍ قد يفجّر صِداماً داخلياً ولا على التراجع إلى حيث يخسر الحاضنة الدولية - العربية التي يتلمّس طريقه تباعاً لاستعادتها، في الوقت الذي تراوغ إسرائيل في ما خص انسحابها الذي لا تريده و«تَهرب إلى الأمام» نحو المنطقة العازلة الاقتصادية في الأراضي اللبنانية وتُرْسي «مهلةً انتظاريةً» تمويهية عنوانها تَرَقُّب خطة الجيش اللبناني وبدء تنفيذها، مستفيدة ضمناً من رفض «حزب الله» المعلن لكل مسار «الخطوة مقابل خطوة».

وأبدت أوساط سياسية خشية كبيرة من أن تتحول الحكومة، ما لم تُرجأ جلسة الثلاثاء، «كيس ملاكمة»، كبديلٍ عن اصطدام لن ينجرّ إليه الحزب مع الجيش وحتى ربما عن استقالةٍ لوزراء الثنائي الشيعي لن تكون كافية لوقف ما وصفه الحزب وإيران «مؤامرة أميركية - إسرائيلية».

وغداة تصويب القيادي في «حزب الله» حسين خليل على الرئيس نواف سلام ضمناً، محذراً من «جر البلد إلى حربٍ أهلية، ‏جاء اتفاق الطائف لوأدها بعد معاناة طويلة ألمت باللبنانيين»، وهو ما اعتُبر إنذاراً بأن الاستمرار بعملية سَحْبِ السلاح سيضع «جمهورية الطائف» وتوازناتها على الطاولة، برز موقفان يتمايزان ولكن يتماهيان في الوقت عينه بإزاء ما سيكون عليه الواقع إذا اعتُمد خيار «قطار حصر السلاح انطلق ولا مجال لوقفه»:

الأول لرئيس البرلمان نبيه بري، الذي كان اختصر مهمة الموفد الأميركي توماس براك والمبعوثة مورغان أورتاغوس بقوله «لم يأتوا بأي شيء من إسرائيل، وبالتالي ذهبت الأمور نحو التعقيد مجدداً».

وقد نُقل عنه أمس إنه يريد أن يكون الجيش «العروس يلي ما حدا بدقّ فيها»، و«من يضرب الجيش اللبناني بوردة كلب ابن كلب»، مؤكداً «هذا موقف ثنائي أمل وحزب الله».

ويسود ترقب لكلمة بري، الأحد، في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، باعتبار أنها ستحمل «رياحاً سبّاقة» لِما قد يكون بعد «الثلاثاء الكبير» في حال أبقي على جلسة الحكومة ولم تتوافر مَخارج لإمرارها من دون مضاعفات.

والثاني لرئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد الذي مضى في مهاجمة سلام وبعنفٍ من دون تسميته، معلناً أنّ «رفع البعض لشعار حصرية السلاح بيد الدولة في ظل انتهاك السيادة ووجود الاحتلال، هو نفاق وتضليل لصالح مشاريع التبعية، فالسيادة شرط أساس لأيّ شعار أو موقف وإنّ القرار الحكومي المتخذ في أوائل أغسطس، خطيئة كبرى ارتُكبت عن سابق إصرار، ليقال «أشهدوا لي عند... أنني أول مَن رمى، غير أنّ هذه الرمية ستقبّح وجه تاريخ أصحابها والمصفّقين لهم (...) وان الله يُمهل ولا يُهمل».

وفي الوقت الذي كانت إسرائيل تَستبق هجومَها الصاعق على صنعاء بغاراتٍ عدة في جنوب لبنان والبقاع الغربي، بدا لبنان وكأنه يحاول «مراكمة النقاط» في مسيرة تأكيد صوابية استعادة الدولة مقوّماتها، وقدرتها بالدبلوماسية على تحصين السيادة وصون مصالحها.

التجديد لـ «اليونيفيل»

وفي نيويورك، قرر مجلس الامن، تمديد مهمة قوة «اليونيفيل» لمرة أخيرة مع وضع برنامج لانسحابها العام 2027، الامر الذي طالبت به إسرائيل والولايات المتحدة.

ونص قرار المجلس الذي تم تبنيه بالاجماع على «تمديد تفويض اليونيفيل لمرة أخيرة (...) حتى 31 ديسمبر 2026 والبدء بعملية تقليص وانسحاب منسقة وآمنة اعتباراً من 31 ديسمبر 2026 ضمن مهلة عام واحد».

وقد شكر الرئيس اللبناني جوزاف عون نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون «على الجهد الذي بذله شخصياً ووفد بلاده في الأمم المتحدة بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة والدول الأعضاء في مجلس الأمن، والذي أسفر عن التوافق للتمديد للقوة الدولية حتى نهاية 2027».

وأجرى ماكرون كذلك اتصالاً بسلام «جدد فيه التزامه عقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي في لبنان، وآخر لدعم القوات المسلحة اللبنانية».

السلاح الفلسطيني

يأتي ذلك على وقع إعلان الجيش اللبناني أنه تَسَلّم أمس، كمية من السلاح الفلسطيني في منطقة جنوب الليطاني «وذلك من مخيمات الرشيدية والبص وبرج الشمالي - صور، تنفيذاً لقرار السلطة السياسية، وبالتنسيق مع الجهات الفلسطينية المعنية».

وأوضح «أن عملية التسلُّم شملت أنواعاً مختلفة من الأسلحة، وقذائف وذخائر حربية متنوعة، على أن تتواصل عملية التسليم خلال المراحل المقبلة».

وبحسب تقارير إعلامية فقد خرجت من مخيم الرشيدية 6 شاحنات وواحدة من البص وواحدة من البرج الشمالي، وأن الأسلحة التي نُقلت إلى إحدى ثكن الجيش ضمّت أسلحة متوسطة وثقيلة.

وجرى التسليم بحضور رئيس لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني رامز دمشقية، واللواء صبحي أبو عرب مسؤول الأمن الوطني الفلسطيني.

وجرى التسليم بحضور رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني رامز دمشقية، واللواء صبحي أبو عرب مسؤول الأمن الوطني الفلسطيني.

وأعلن الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، ان «الجهات الفلسطينية المختصة في لبنان، سلّمت الدفعة الثانية من سلاح منظمة التحرير الفلسطينية الموجود في المخيمات الفلسطينية في لبنان، وهي مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي للجيش اللبناني كعهدة (وديعة) على أن تُستكمل عمليات التسليم لبقية المخيمات تباعاً».وأضاف ان ذلك جاء بناء على البيان الرئاسي الصادر عن الرئيس محمود عباس، وعون خلال قمة بيروت في 21 مايو. وأوضح أن «الجانبين اتفقا على تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة أوضاع المخيمات في لبنان، والعمل على تحسين الظروف المعيشية والإنسانية للاجئين، مع احترام السيادة اللبنانية والالتزام بالقوانين. وشددا على التزامهما مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وإنهاء أي مظاهر مخالفة لذلك، وأهمية احترام سيادة لبنان واستقلاله ووحدة أراضيه».

واعتبرت لجنة الحوار أن ما حصل «محطة أساسية تؤكد أنّ مسار تسليم السلاح يُستكمَل بجدّية تامة، ولم يعد من الممكن التراجع عنه، ويعكس هذا المسار التزاماً حازماً بمبدأ سيادة الدولة اللبنانية وبسط سلطتها الكاملة على جميع أراضيها، وبحصرية السلاح في يد مؤسساتها الشرعية دون سواها».

ويتم التعاطي مع ملف السلاح الفلسطيني الذي سيشهد خلال أيام قليلة تسليم مزيد من الأسلحة من مخيم برج البراجنة في بيروت والبداوي في الشمال، على أنه يمكن أن يساعد الدولة اللبنانية في سعيها لبدء تنفيذ سَحْبِ سلاح «حزب الله» وتأكيد «شمولية» قرار حصرية السلاح وأنه لا يستهدف طرفاً بعينه، إلى جانب مساهمته في «كشف» حركة «حماس» التي لم تنخرط في هذا المسار أو تلاقيه، هي التي تتحكّم بموقفها من تسليم سلاحها في مخيمات لبنان اعتباراتٌ ترتبط باصطفافها ضمن "محور الممانعة».