لبنان بعد انسحاب أميركا من العراق!

لا بد للبنان أن يراقب بتمعن مرحلة ما بعد انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية من العراق. ما سيتبع هذه الخطوة التي استكملت يوم أمس، سيحدد ملامح الاستراتيجية الأميركية للمنطقة في الأعوام المقبلة.
بمعنى أن الولايات المتحدة تنسحب من إحدى أهم الساحات في الإقليم. وجانب أساسي يستند إلى واقع عمق النفوذ الإيراني في العراق مع ما يستتبع ذلك من تداعيات على بقية دول المنطقة العربية.
وعلى الرغم من أن الانسحاب الأميركي من العراق لا ينهي نفوذاً ترسخ منذ العام 2003 في أعقاب حرب العراق الثانية واجتياحه، فإنه قد يكسر موازين قوى دقيقة في الداخل العراقي لصالح النفوذ الإيراني الفج لاسيما في ظل استمرار الحرب مع أميركا، واستمرار الخطر الداهم على النظام الإيراني ومصدره الثنائي الأميركي – الإسرائيلي.
وتتعاظم الخطورة إذا انضمت دول عربية بشكل فعال وحاسم في حرب أميركية – إسرائيلية هدفها استئصال النظام بشكل نهائي وتغيير المنطقة نهائياً. ولعل الحراك الإقليمي شمال إسرائيل مع الولايات المتحدة والى حد ما بعض الدول الأوروبية يؤشر إلى أن ثمة عاصفة إقليمية قادمة في المدى المنظور، دونما أي اعتبار لنتائج الانتخابات الإسرائيلية والأميركية على التوالي.
فالمعضلة الإيرانية هي ليست مشكلة الولايات المتحدة وإسرائيل وحدهما، بل هي مشكلة الجميع في المنطقة. حتى أوروبا معنية إلى حد بعيد بحسم الوضع الإيراني لأن النظام بحالته الحاضرة بات مشكلة من المستحيل التعايش معها كما كان عليه الوضع في السابق.
وأوروبا المنخرطة في حرب أوكرانيا تحتاج إلى أن تضع جانباً عداءها لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتسهم في إسقاط نظام تتكئ عليه روسيا – بوتين لإلهاء الغرب عموماً وأوروبا خصوصاً بمشاكل إمدادات النفط والغاز، فضلاً عن الأبعاد الاستراتيجية الناجمة عن التعاون بين موسكو وطهران في مجال الصناعات العسكرية.  
إذا نحن أمام مشهد يشبه طاولة شطرنج كبيرة على مساحة العالم حيث إن أي تغيير في أحد مربعاتها ينعكس على الحصيلة النهائية للجولة!
أين لبنان من هذا المشهد؟ بكل بساطة يدخل لبنان ضمن الساحات التي يُعمل فيها على تفكيك النفوذ الإيراني وأبرز مظاهره العملية هو "حزب الله" بجميع أنشطته من العسكري إلى الأمني فالمالي والاقتصادي، والاجتماعي، والتربوي، والصحي.
كلها أنشطة تسهم في تقوية نفوذ "حزب الله" وترسيخها في لبنان وصولاً إلى توسيع رقعتها لتشمل مكونات لبنانية غير شيعية. هذا النفوذ سيكون في قلب العاصفة في المرحلة المقبلة، وذلك بصرف النظر عن نتائج انتخابات إسرائيل والولايات المتحدة. فالمواجهة عالمية، ولبنان سيكون احدى ساحاتها الرئيسية.
مع الأخذ بالاعتبار أن المواجهة في لبنان ستكون عسكرية أمنية أولاً في سياق محاولة حسم مسألة السلاح الإيراني على حدود إسرائيل، وفي شرق البحر الأبيض المتوسط الغني بالموارد النفطية من تركيا شمالاً إلى مصر جنوباً مروراً بسوريا، لبنان وإسرائيل.

من هنا وفي المسار الديبلوماسي – السياسي يتمسك الأميركيون باتفاق الإطار الثلاثي باعتباره المسار الوحيد لسلام بين لبنان وإسرائيل. ما معناه أن الهدف ليس اتفاقات امنية مؤقتة مثل اتفاقية الهدنة أو القرار 1701، بل تغييراً جوهرياً وعميقاً ونهائياً. وطريقه إنهاء صيغة "حزب الله" كذراع إيرانية لا مكان لها في المنطقة العربية.