المصدر: المدن
الكاتب: إبراهيم الرز
الجمعة 4 أيلول 2026 00:34:36
لم تأت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أثينا منفصلة عن التحولات التي تعيد رسم خريطة المنطقة. ففي الوقت الذي كان يبحث فيه مع المسؤولين اليونانيين العلاقات الثنائية ودور أثينا في مساعدة لبنان، كانت تركيا والسعودية وباكستان تعقد في إسطنبول الاجتماع الأول للآلية السياسية والعسكرية المنبثقة من "اتفاق مكة للدفاع المشترك". وفي الخلفية، تتوسع العلاقات الأمنية بين إسرائيل واليونان وقبرص ضمن إطار "3+1"، برعاية ودعم أميركيين.
وتؤدي واشنطن دوراً سياسياً واستراتيجياً أساسياً في هذه الشبكة، بما يعكس حضورها المباشر في شرق المتوسط، حيث تتقاطع ملفات الأمن والطاقة والحدود، وهي قضايا ترتبط مباشرة بمصالح لبنان، ولا سيما في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والنزاع على الموارد البحرية ومستقبل الحدود الجنوبية.
في المقابل، تعود الإمارات إلى لبنان من البوابة الاقتصادية، فيما تحاول تركيا والسعودية وباكستان بلورة إطار أمني وسياسي جديد عبر "اتفاق مكة". وبين هذه المساحات، تظهر مؤشرات إلى ميل لبناني أوضح نحو واشنطن، وخصوصاً في الملف الإسرائيلي، من دون أن يبدو ذلك حتى الآن قراراً استراتيجياً بالالتحاق بمحور إقليمي.
إسرائيل تحدد البوصلة
إذا كان لبنان يبدو اليوم أقرب إلى واشنطن، فإن العامل الإسرائيلي يفسر جانباً أساسياً من هذا التحول. فاستمرار الاحتلال والعمليات العسكرية يضعان بيروت أمام معادلة تجعل خياراتها الخارجية مرتبطة بمن يملك القدرة على التأثير في إسرائيل.
لذلك، لا يبدو التقارب مع الولايات المتحدة خياراً سياسياً منفصلاً عن الواقع، بل استجابة لاختلال واضح في ميزان القوة. ومن هنا تكتسب زيارة عون إلى أثينا معنى يتجاوز العلاقات الثنائية، فاليونان تجمع بين عضويتها الأوروبية وعلاقاتها الوثيقة بواشنطن وشراكتها المتنامية مع إسرائيل، ما يجعلها قناة إضافية داخل شبكة غربية أوسع.
لكن هذه القراءة لا تحظى بإجماع داخلي. فعضو كتلة المقاومة والتحرير النائب قاسم هاشم يقول لـ"المدن" إن "لبنان يمر بمرحلة دقيقة، ولا يزال تحت الاستهداف الإسرائيلي المدعوم أميركياً"، معتبراً أن ذلك يفرض التعامل بحذر مع التحولات الجارية.
ويشير إلى أن المشهد لا يمكن فصله عن "الانخراط الأميركي المباشر في دعم إسرائيل، وغياب أي ضغط فعلي يفضي إلى وقف الاعتداءات أو إلزامها باحترام السيادة اللبنانية".
ويرى هاشم أن "التجربة حتى الآن لا تقدم مؤشرات مشجعة"، في ظل عدم وصول جولات المفاوضات إلى نتائج عملية، مضيفاً أن "الوسيط يُفترض أن يؤدي دوراً متوازناً، لا أن يكون طرفاً منخرطاً في الصراع إلى جانب إسرائيل".
وعن حاجة بيروت إلى واشنطن باعتبارها الأكثر قدرة على التأثير في إسرائيل، يشدد على أن "ما يهمنا هو النتائج النهائية"، وأن هذا النفوذ لم يُترجم حتى الآن إلى خطوات إسرائيلية مقابلة.
هامش الحركة لم يُغلق
لكن الاقتراب من واشنطن لا يعني أن لبنان أغلق خياراته الإقليمية. فقبل زيارة أثينا بشهر، كان عون في أنقرة يبحث مع الرئيس رجب طيب أردوغان التعاون الاقتصادي ودعم الجيش وإعادة الإعمار والتطورات في سوريا.
وتنبع أهمية تركيا من حضورها المتزايد في المنطقة عامة وسوريا خاصة، وما يرتبط بذلك من ملفات الحدود والنزوح والتجارة والأمن. وفي الوقت نفسه، يعيد لبنان ترميم علاقاته مع السعودية والخليج، فيما يتقدم التعاون مع الإمارات من بوابة الاقتصاد والاستثمار.
وهذا التعدد لا يلغي الوزن الأميركي المتقدم، لكنه يمنع اختزال السياسة الخارجية اللبنانية في اتجاه واحد.
وفي قراءة لهذا التحول، يقول النائب إبراهيم منيمنة لـ"المدن" إن "الاتجاه المطلوب للبنان في المرحلة الحالية هو الخروج من الهيمنة الإيرانية، من دون أن يعني ذلك الانتقال تلقائياً إلى محور إقليمي مقابل، خصوصاً أن شكل التوازنات الجديدة في المنطقة لم يتضح بعد".
ويرى أن لبنان "ليس مضطراً إلى حسم موقعه ضمن محور معين، بقدر ما يحتاج إلى تحديد أولوياته انطلاقاً من مصلحته الوطنية"، معتبراً أن جزءاً من الحركة الدبلوماسية الحالية يصب في إخراج لبنان من موقعه السابق ضمن المحور الإيراني، من دون استبداله باصطفاف جديد.
ويضيف أن المطلوب هو "أن يستعيد لبنان دوره الإيجابي والدبلوماسي في المنطقة"، ويحافظ على علاقاته مع مختلف الأطراف من دون الانخراط في صراعات المحاور.
"اتفاق مكة" يوسّع الخيارات
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع ظهور "اتفاق مكة" بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي أضاف بعداً أمنياً وعسكرياً إلى التقارب بين ثلاث دول تملك أثقالاً مختلفة ومتكاملة.
ولا يزال الاتفاق بعيداً عن تشكيل "ناتو شرق أوسطي"، لكنه يعكس اتجاهاً نحو تنويع الخيارات الأمنية وعدم الاكتفاء بالاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
وبالنسبة إلى لبنان، لا يشكل هذا الإطار بديلاً عن واشنطن في التعامل مع إسرائيل، لكنه يكشف أن المنطقة لا تتحرك كلها في اتجاه واحد. فالسعودية تعزز حضورها، وتركيا ترسخ موقعها الإقليمي، فيما تضيف باكستان وزناً عسكرياً واستراتيجياً إلى هذا التقارب.
وهكذا يستطيع لبنان إبقاء واشنطن في صدارة حساباته في الملف الإسرائيلي، من دون التعامل مع مستقبله السياسي والاقتصادي والأمني باعتباره محصوراً بها.
قبرص والإمارات
وتكشف العلاقة مع قبرص جانباً آخر من هذا التوازن. فلبنان حسم اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع نيقوسيا، بعدما عزز معها التعاون الدفاعي، في وقت ترتبط قبرص واليونان وإسرائيل بشبكة متقدمة في مجالات الطاقة والأمن والدفاع.
ويفتح هذا التقارب أمام بيروت قنوات في ملفات الطاقة والحدود والاقتصاد، لكن أنقرة تراقب بحساسية تنامي التعاون بين هذه الأطراف، وقد تنظر إلى أي انفتاح لبناني عليها ضمن خريطة المنافسة في شرق المتوسط.
أما الإمارات، فعادت إلى لبنان من البوابة الاقتصادية، وهي ترتبط في الوقت نفسه بعلاقات استراتيجية مع واشنطن واليونان وقبرص، كما أنها طرف في الاتفاقات الإبراهيمية، ما يضع حضورها اللبناني ضمن مشهد إقليمي أوسع.
أميركا أولاً.. لكن الخيارات لم تسقط
في المحصلة، يميل لبنان اليوم بوضوح أكبر نحو الفضاء الأميركي. فالجنوب، ودعم الجيش، والمفاوضات مع إسرائيل تجعل واشنطن أثقل من بقية العواصم في الحسابات اللبنانية، من دون أن يعني ذلك أن بيروت حسمت تموضعها ضمن محور واحد.
وهذه المعادلة يعكسها النائب بلال عبد الله، عضو كتلة اللقاء الديمقراطي، إذ يقول لـ"المدن" إن "مصلحة لبنان السياسية والوطنية تكمن في التماهي مع عمقه العربي، والانفتاح على أي محور أو إطار إقليمي انطلاقاً من ثوابته السيادية وحماية موارده ومصالحه الوطنية".
ويضيف أن "أي تموضع لبناني يجب أن يكون حكماً بعيداً عن العدو الإسرائيلي"، فيما يحاول لبنان في المرحلة الراهنة الاستفادة من الدور الأميركي بصفته الراعي الأساسي للمفاوضات.
ويرى عبد الله أن المطلوب هو "تحسين سقف التفاوض وشروطه بما يحفظ حقوق لبنان ومصالحه"، بدلاً من التعامل مع المسار الحالي كخيار مفروض بشروطه القائمة.
وبذلك، لا تبدو أولوية واشنطن مرادفة بالضرورة للانخراط في محور أميركي، بل تعبيراً عن حاجة سياسية وتفاوضية تفرضها المواجهة مع إسرائيل وموازين القوى، فيما يبقى العمق العربي جزءاً أساسياً من هامش الحركة اللبنانية.
لكن المفارقة أن لبنان يبحث لدى الولايات المتحدة عن معالجة اختلال في ميزان القوة تشارك واشنطن نفسها في صنعه من خلال دعمها لإسرائيل. ولذلك يرتبط مستقبل هذا الرهان بالنتائج، فإذا نجحت في الضغط لانسحاب إسرائيل ووقف العمليات، سيترسخ الاتجاه اللبناني نحوها. أما إذا استمرت المطالب من لبنان من دون مقابل إسرائيلي، فستزداد الحاجة إلى هوامش إقليمية أخرى.