المصدر: المدن
الكاتب: ندى اندراوس
الأربعاء 11 آذار 2026 11:57:05
في خضمّ حرب حزب الله وإسرائيل، تتكثّف في الكواليس السياسية والدبلوماسية محاولات البحث عن مخرج يوقف الانزلاق نحو مواجهة أوسع. وفي قلب هذا المشهد، يضع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أولوية واضحة لا لبس فيها: إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار من الجهتين، باعتبارذلك المدخل الإلزامي لأي مسار سياسي أو تفاوضي يمكن أن يفتح نافذة على التهدئة.
في هذا السياق، أعلن الرئيس عون أمس مبادرته القائمة على أربع نقاط، في محاولة لإعادة إدخال الملف اللبناني في مسار سياسي تفاوضي برعاية دولية. غير أن هذه المبادرة، وفق ما كشفت مصادر مطّلعة لـ "المدن"، لا تشكّل طرحاً منفصلاً أو مفاجئاً، بل هي تطوير لمبادرة سابقة كان الرئيس قد أطلقها حول التفاوض مع إسرائيل. الفارق الأساسي في النسخة الجديدة يتمثل في إدخال عنصر التفاوض المباشر برعاية دولية، بعدما كانت المبادرة الأولى تقوم على صيغة مختلفة، لم تحظَ آنذاك بالتجاوب المطلوب من الأطراف المعنية.
اتصالات غير معلنة
تقول مصادر مطّلعة على أجواء بعبدا لـِ "المدن"، إن الاتصالات التي يجريها الرئيس عون في هذا الإطار مكثّفة جداً، وكثير منها يجري بعيداً من الأضواء. ويشكّل التواصل الدائم مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى محوراً أساسياً في هذه الجهود، إلى جانب قنوات مفتوحة مع الفاتيكان، والجانب المصري، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في محاولة لتأمين مظلة دولية لأي مسار تفاوضي محتمل.
وفي المعلومات، فإن المبادرة الجديدة أُعدّت ضمن فريق عمل رئيس الجمهورية، وقد جرى تسليم نسخة منها إلى كلّ من الجانبين الأميركي والفرنسي، وإلى سفراء دول أخرى مهتمة بالملف اللبناني، في إطار مسعى رئاسي لحشد دعم دولي لها قبل الانتقال إلى أي خطوات تنفيذية.
وتشير المصادر إلى أن الرئيس عون، بوصفه المسؤول الأول عن الدولة، وضع النقاط على الحروف في ما يتعلق بالمخاطر التي يواجهها لبنان، معتبراً أن المطلوب اليوم مقاربة واقعية تفتح باب وقف الحرب قبل أن تتدحرج الأمور إلى ما هو أخطر.
قناة التواصل مع الحزب
في موازاة ذلك، جرى وضع رئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري في أجواء المبادرة، من دون أن يعرف موقفه منها. مع العلم أن بري يشكل صلة الوصل بين بعبدا وحارة حريك ويلعب دوراً مساعداً في الحوار والتفاوض بين بعبدا وحزب الله، في وقت أن الخطوط السياسية المباشرة بينهما مقطوعة منذ بداية الحرب. وما يزيد التباعد بين الطرفين الكلام الذي أدلى به رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد أمس.
حتى الآن، لا تزال مبادرة رئيس الجمهورية في مرحلة إنتظار الردود من الأطراف المعنية. فالجانب الأميركي أخذ علماً بالمبادرة وبدأ دراستها، بحسب ما كشفت المصادر، على أن يعود إلى لبنان بجواب بعد التشاور مع إسرائيل حول مضمونها.
في موازاة ذلك، تشير المعطيات إلى أن حزب الله لا يبدو منفتحاً على المبادرة في المرحلة الحالية، وهو لن يقبل بها، في حين تبدي بعض الدول الأوروبية وعدد من الدول العربية إرتياحاً للمسعى اللبناني.
وبانتظار جواب واشنطن، يواصل السفير الأميركي ميشال عيسى إتصالاته، بالتوازي مع نشاط لافت لسفيرة لبنان في واشنطن على خط التواصل مع الإدارة الأميركية. كما أن الفاتيكان على إطلاع كامل على الاتصالات التي يجريها لبنان، وهو يقوم بدوره بسلسلة اتصالات دولية من أجل لبنان، ولكن بصمت وبعيداً من الأضواء.
التحضير لساعة التفاوض
بانتظار بلورة الردود الدولية، فقد علمت "المدن" أن بعبدا تعمل على تشكيل فريق تفاوض لبناني يكون جاهزاً عندما تحين الساعة. ووفق المعلومات، سيضم الفريق ممثلين عن رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، من دون أن يكون قد اتضح بعد ما إذا كان الرئيس بري سيرسل من يمثله فيه.
الفريق سيكون برئاسة السفير سيمون كرم، على أن يضم مجموعة من الدبلوماسيين السابقين والخبراء والقانونيين. وتتم حالياً دراسة الأسماء وإعداد مسودة للخطوط العريضة للتفاوض، بحيث يكون كل شيء جاهزاً عندما تأتي اللحظة السياسية المناسبة. كما سيتم وضع مسودة للخطوط العريضة للتفاوض.
أما مكان التفاوض المحتمل، فلا يزال قيد البحث: هل يكون في الناقورة برعاية الأمم المتحدة، في نيويورك في مقر الامم المتحدة، أم في بلد آخر؟ الاحتمال الاكثر ترجيحاً وفق المعطيات هو أن يحدد مكان التفاوض في دولة أخرى برعاية أميركية.
كل هذه الترتيبات، وفق المصادر، لا تزال في إطار الهيكلية التحضيرية ولم تتحول بعد إلى "أمر واقع"، بانتظار معرفة اتجاه رياح الحرب والأجوبة الاميركية على مبادرة رئيس الجمهورية.
مفتاح الحل في واشنطن
في الحسابات اللبنانية، يبقى الموقف الأميركي هو العامل الحاسم. فواشنطن وحدها قادرة على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل. أما فرنسا، وعلى الرغم من محاولاتها المستمرة للمساعدة، فإن تأثيرها على القرار الإسرائيلي يبقى محدوداً مقارنة بالتأثير الأميركي، حتى وإن كان الرئيس إيمانويل ماكرون يواصل إتصالاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لذلك، يتركّز الجهد اللبناني حالياً على الحفاظ على قناة تواصل مستمرة مع السفير الأميركي في بيروت، إلى جانب شبكة إتصالات أوسع مع عدد من الدول المعنية بالشأن اللبناني.
غير أن المسار الدبلوماسي يجري فيما الحرب لم تتوقف على الأرض. فالميدان لا يزال مشتعلاً، في وقت يبدو فيه أن حزب الله غير مستعد لوقف القتال في المرحلة الراهنة.
والقلق الأكبر في بعبدا يتمثل في المقاربة الإسرائيلية للحرب. إذ توحي تل أبيب، بأن ما يجري في لبنان منفصل عن المواجهة مع إيران. وتخشى دوائر القرار اللبنانية أن يستمر القتال في لبنان حتى لو توقفت الحرب مع إيران، في إطار سعي إسرائيلي إلى القضاء على حزب الله مهما كانت الكلفة.
وفي هذا الإطار، تتحدث المعطيات الأمنية عن تحشيد إسرائيلي متزايد على الحدود، مع تحركات عسكرية لافتة، وقد نقلت اليونيفيل هذه المعطيات إلى بعبدا. ويتركز النشاط العسكري الإسرائيلي خصوصاً في القطاع الغربي، فيما لا يزال التقدم في القطاع الأوسط والشرقي يواجه مقاومة من حزب الله عبر إطلاق صواريخ متوسطة وبعيدة المدى.
إحباط أميركي
إزاء هذه الصورة المعقدة، تكشف مصادر أميركية أن الإحباط بات السمة الغالبة داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب في ما يتعلق بالملف اللبناني.
ويختصر أحد المسؤولين المعنيين بالملف اللبناني في الإدارة الأميركية لـ "المدن" هذا الشعور بالقول إن هناك درجة عالية من الإحباط داخل الإدارة بسبب عدم تطبيق السلطات اللبنانية، على مختلف المستويات والحكومة والجيش، القرارات التي إتخذها مجلس الوزراء في آب وأيلول الماضيين، وكذلك القرارات التي صدرت مع بداية الحرب، وإن كانت الإدارة الأميركية مشجعة للقرارات التي إتخذتها السلطات اللبنانية.
مع ذلك، فإن مبادرة الرئيس عون لاقت استحساناً في واشنطن، غير أن الإدارة الأميركية تربط دعمها العملي لها بتطبيق كل ما اتخذ لبنان من قرارات وبالتزام فعلي في أي مسار تفاوضي. لهذا فإن الجواب على المبادرة الرئاسية لم يأت بعد، أو أقله لم تبلغ به بعبدا إلى الآن.