لبنان على حافة كارثة إنسانية.. نزوح جماعي يختبر قدرة الدولة والمجتمع

يتسارع مسار الأزمة الإنسانية في لبنان مع اتساع رقعة الحرب وتكثيف الضربات العسكرية في مناطق واسعة من البلاد، ما أدى إلى موجة نزوح داخلي غير مسبوقة منذ سنوات، لتتحول قضية اللبنانيين الهاربين من مناطق القتال إلى واحدة من أخطر التحديات الاجتماعية والإنسانية التي تواجه الدولة. فمع مرور نحو شهر على اندلاع الحرب، بدأت ملامح أزمة إنسانية واسعة تتبلور، وسط تحذيرات دولية من أن الوضع يتجه بسرعة نحو كارثة إذا استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة نفسها.

المعطيات التي عرضتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعكس حجم التحول الدراماتيكي في المشهد الداخلي اللبناني. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مليون شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم منذ بداية الحرب في الثاني من مارس، وهذا رقم يعادل تقريبا خمس سكان البلاد، ما يجعل لبنان أمام واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في تاريخه الحديث. هذا النزوح لا يقتصر على مناطق الجنوب فحسب، بل يمتد إلى مناطق متعددة نتيجة الغارات الإسرائيلية الواسعة التي طالت بنى تحتية وطرق رئيسية وجسور، الأمر الذي أدى إلى عزل بلدات كاملة وتعقيد عمليات الإغاثة.

وفي ظل هذا المشهد، تحولت المدارس والمباني العامة إلى مراكز إيواء طارئة تستضيف عشرات آلاف العائلات، حيث يعيش أكثر من 136 ألف نازح داخل مئات الملاجئ الجماعية التي تعاني من اكتظاظ شديد ونقص في الخدمات الأساسية. هذه الملاجئ، التي أنشئت على عجل، لم تكن مجهزة أصلا لاستقبال هذا العدد الكبير من النازحين، ما أدى إلى ضغط هائل على البنى التحتية والخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية.

وتتفاقم خطورة الأزمة لأن النزوح الحالي يأتي في بلد يعاني أصلا من انهيار اقتصادي غير مسبوق منذ عام 2019، ما يضع الدولة والمجتمع أمام معادلة شبه مستحيلة وهي مواجهة حرب مدمرة في وقت تعاني فيه المؤسسات الرسمية من ضعف شديد في الموارد والقدرات. فالاقتصاد اللبناني بالكاد يستطيع تأمين الحد الأدنى من الخدمات لمواطنيه في الظروف العادية، فكيف الحال مع موجة نزوح بهذا الحجم وفي ظل استمرار العمليات العسكرية؟ وتشير تقارير إنسانية إلى أن الأزمة لا تقتصر على الجوانب المعيشية، بل تمتد إلى تداعيات نفسية واجتماعية عميقة، خصوصا على الأطفال الذين يشكلون نسبة كبيرة من النازحين. فمئات آلاف الأطفال وجدوا أنفسهم فجأة خارج منازلهم ومدارسهم، يعيشون في بيئة غير مستقرة ومكتظة، ما يهدد بآثار نفسية طويلة الأمد قد تستمر حتى بعد توقف الحرب.

كما تواجه النساء، ولاسيما الحوامل منهن، ظروفا صحية صعبة في مراكز الإيواء المؤقتة التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحد الأدنى من الرعاية الطبية اللازمة. وفي ظل الضغط الهائل على المستشفيات اللبنانية، تصبح إمكانية الحصول على خدمات صحية منتظمة مسألة شديدة التعقيد بالنسبة لكثير من العائلات النازحة.

وتحاول المنظمات الإنسانية الدولية تخفيف حدة الأزمة عبر إرسال مساعدات عاجلة، في وقت يعمل فيه الصليب الأحمر اللبناني على خط المواجهة الإنساني من خلال عمليات الإسعاف والإغاثة وتوزيع المساعدات الأساسية، فيما يواصل المتطوعون تنفيذ آلاف المهمات الميدانية رغم المخاطر الكبيرة التي يواجهونها.

لكن التحدي الأكبر يبقى في القدرة على إيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة، خصوصا بعد تدمير عدد من الجسور الحيوية في الجنوب، ما أدى إلى عزل عشرات آلاف المدنيين وصعب وصول فرق الإغاثة إليهم. هذه العوائق اللوجستية تعكس حجم التعقيد الذي يواجه الجهود الإنسانية في بلد تتداخل فيه الجغرافيا العسكرية مع الجغرافيا المدنية بشكل حاد.

وفي الحسابات السياسية الأوسع، يضع النزوح الجماعي لبنان أمام تحد إضافي قد يتحول إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد، إذ إن إفراغ بلدات بكاملها من سكانها لا يهدد فقط الاستقرار الاجتماعي، بل يفتح الباب أيضا أمام تغييرات ديموغرافية واقتصادية قد يكون من الصعب معالجتها لاحقا.

من هنا تبدو الأزمة الحالية أخطر من موجة نزوح مرتبطة بالحرب، وهي اختبار قاس لقدرة الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي على منع تحول النزاع العسكري إلى كارثة إنسانية شاملة.