المصدر: المدن
الكاتب: سعد المولى
الخميس 21 أيار 2026 01:55:32
يدخل لبنان الربع الثاني من عام 2026 وهو يواجه التحدي الوجودي الأكبر في تاريخه الحديث. فبينما تنعقد محادثات تمهيدية في واشنطن بين الدولة اللبنانية وإسرائيل تحت رعاية أميركية مباشرة، تتركز الأنظار دولياً على قمة إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التزامن ليس مجرد مصادفة زمنية، بل هو تعبير عن أزمة "اشتباك المسارات" التي جعلت من الساحة اللبنانية رهينة لتوازنات القوى الإقليمية والدولية، ما يضع مفهوم "الدولة اللبنانية" أمام اختبار النهوض أو التلاشي النهائي.
أولاً: إطار المفاوضات ومحطات التحول التاريخي
تستند المفاوضات الجارية في واشنطن إلى إرث ثقيل من التفاهمات الهشة، بدءاً من اتفاقية الهدنة عام 1949، التي يعتبرها الموقف الرسمي اللبناني المرجعية القانونية الوحيدة للحدود البرية، وصولاً إلى القرار 1701 واتفاق ترسيم الحدود البحرية 2022. إلا أن الجديد في عام 2026 هو محاولة الدولة اللبنانية "فصل المسارات"، والتمسك بالمصلحة الوطنية الصرفة التي تهدف إلى: تحقيق وقف فوري وإلزامي لإطلاق النار. الانسحاب الإسرائيلي الشامل من الأراضي المحتلة حديثاً وإطلاق الأسرى وعودة المهجرين والبدء بالإعمار. تفعيل دور الجيش اللبناني كقوة وحيدة مسيطرة، استناداً لقرارات الحكومة في آذار/ مارس 2026.
ثانياً: مخاطر الربط العضوي بمسار "إسلام آباد"
يمثل الربط بين جبهة الجنوب اللبناني ومفاوضات إسلام آباد حول الملف النووي وأمن مضيق هرمز ثغرة استراتيجية تُضعف الموقف اللبناني للأسباب التالية:
لبنان كـ "ورقة مقايضة" (Bargaining Chip)
عندما يتم ربط مصير الجنوب بملفات إقليمية، يفقد لبنان صفته كـ"طرف مفاوض أصيل". تتحول المطالب السيادية (كالقرار 1701 والهدنة) إلى تفاصيل ثانوية على طاولة كبرى تُناقش فيها نسب تخصيب اليورانيوم ورفع العقوبات البنكية عن طهران. هذا "التدويل السلبي" للأزمة يجعل الحل في بيروت بانتظار تنازلات في هرمز، وهو ما قد يؤخر إنقاذ لبنان لسنوات إضافية.
تكريس نموذج "الدولة الفاشلة جزئياً
إن قبول ارتهان القرار الميداني للخارج يضرب شرعية الحكومة اللبنانية في مقتل. فالعالم يتعامل مع "من يملك مفتاح النار"، وبما أن هذا المفتاح يبدو وكأنه في عهدة المحور الإيراني، فإن الدولة اللبنانية تظهر ككيان "صوري" لا يملك سلطة القرار. هذا العجز يمنح إسرائيل الذريعة الدولية للاستمرار في عملياتها، مدعية أنها لا تحارب دولة بل تحارب "وكلاء إقليميين".
صراع الأولويات: "النووي" مقابل "الرغيف والإعمار"
ثمة فجوة بنيوية في المصالح؛ فالأولوية الدولية في إسلام آباد هي "الاستقرار الاستراتيجي" ومنع انفجار مضيق هرمز. في حين تجد إيران مصلحتها في تهدئة بحرية مقابل مكاسب مالية، مع إبقاء لبنان "ساحة استنزاف" نشطة لتأمين أوراق ضغط مستقبلية. أما لبنان الذي يعاني من انهيار اقتصادي شامل (بطالة 45% وتآكل 98% من قيمة العملة)، فإنه يحتاج لوقف فوري للحرب لبدء الإعمار. أما الاستمرار في "حرب المشاغلة" لخدمة المفاوض الإقليمي فهو انتحار اقتصادي واجتماعي للداخل اللبناني.
استغلال إسرائيل للغطاء الدولي:
إسرائيل تستغل هذا الربط لتقول لواشنطن: "بما أن لبنان جزء من المحور الإيراني، فإن ضرب حزب الله هو إضعاف لإيران على طاولة إسلام آباد". هذا يمنح نتنياهو ضوءاً أخضر للاستمرار في "التفاوض تحت النار"، حيث تزداد وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية كلما تعثرت مفاوضات إسلام آباد، ويدفع الثمن الداخل اللبناني من بنية تحتية ودماء.
ثالثاً: الاستراتيجية الإسرائيلية و"التفاوض تحت النار"
تستفيد إسرائيل من هذا الربط الإقليمي عبر ممارسة "الواقعية الهجومية". فهي تستغل الانشغال الدولي بمفاوضات إسلام آباد لتنفيذ "تطهير عسكري" في الجنوب، مستخدمة الغطاء الأمريكي الذي يرى في إضعاف أذرع إيران وسيلة لضغط إضافي على طهران في إسلام آباد.
كما تمارس إسرائيل استراتيجية متعددة الأهداف تتمثّل بإضعاف القدرات العسكرية لحزب الله، أو بالأحرى إنهاء وجوده المسلح في الجنوب إن هي استطاعت، ودفع الدولة اللبنانية نحو نزع سلاحه، وصولًا إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية. من هنا، اعتمدت إسرائيل على القوة النارية لإحداث تهجير واسع، وتوليد ضغط داخلي على الدولة اللبنانية، ومحاولة دفع الجيش والحكومة اللبنانيين إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله عبر شروط تعجيزية في واشنطن، مستغلة حالة الانكشاف الاستراتيجي التي يعيشها لبنان.
رابعاً: حزب الله والمفارقة الأمنية
يعيش حزب الله منذ معركة إسناد غزة، واتفاقية وقف إطلاق النار، أزمة "شرعية الوظيفة"، وهو يمثّل حالة نموذجية لفاعل مسلح يمتلك شرعية اجتماعية في بيئته، لكنه يقوّض سيادة الدولة القائمة. وفي حين أن الحزب يعتبر أنه يوفر ردعًا عسكريًا ضد إسرائيل ويؤمن حماية اجتماعية للمواطنين (شعاره: نحمي ونبني) ، إلا أنه في الوقت نفسه يعمّق الانقسام الداخلي، ويقوّض ركائز الدولة، ناهيك عن ارتباطه بأجندة إقليمية ، ما يجعله يواجه تراجعًا في الشرعية والحضور خارج بيئته وفي المجتمع السياسي اللبناني بعامة. هذه الوضعية تعكس "المفارقة الأمنية" ، حيث يعتبر الفاعل غير الدولتي نفسه ضرورة أمنية لحماية البلد في ظل ضعف الدولة، لكنه يكون أيضًا، ولو لم يعترف هو بذلك، أحد أسباب هذا الضعف. في الخلاصة يتحول الحزب إلى عبء سياسي واقتصادي، فهو قوي عسكريًا لكنه معزول داخليًا، وهو يملك المال لكنه لا يستطيع الإعمار والبناء، وهو يمثل شريحة أساسية من المواطنين لكنه لا يحظى بالإجماع أو التأييد في أوساط أساسية أخرى. ويعيش الحزب اليوم أزمة مركبة: تراجع عسكري نسبي من جهة وضغط داخلي وخارجي من جهة أخرى، ما يزيد من اعتماده أكثر على إيران.
ومنذ قرارات الحكومة في 2 مارس 2026 في فرض حظر فوري لأنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، معتبرة إياها خارجة عن القانون، ومطالبته بتسليم سلاحه وحصر دوره في العمل السياسي، فإن "المفارقة الأمنية" تغدو أقوى وأكثر خطورة: لا يمكن نزع سلاح حزب الله بالقوة كما لا يجوز بقاء لبنان من دون دولة.
خامسًا: السيناريوهات المستقبلية
في ظل تداخل مفاوضات واشنطن وإسلام آباد، يبرز تساؤل جوهري: هل سيبقى لبنان "ساحة منسية"؟
سيناريو "المقايضة الكبرى": نجاح مفاوضات إسلام آباد واتفاق (أمريكي-إيراني) شامل، يتضمن وقفاً لإطلاق النار في لبنان بضمانات إقليمية. هذا السيناريو ينهي الحرب لكنه يُثبّت لبنان كدولة تدور في الفلك الإيراني بضوء أخضر أمريكي. ارتهان الحزب للمسار الإيراني يجعله عرضة لأن يكون الضحية ؛ فإذا حققت إيران أهدافها الكبرى في إسلام آباد، قد تضطر لقبول ترتيبات أمنية تُقلص نفوذه العسكري في الجنوب مقابل بقائه كقوة سياسية داخل النظام.
سيناريو "الانهيار المستمر": تعثر مفاوضات إسلام آباد، مما يدفع إسرائيل لتوسيع نطاق حربها لتشمل العاصمة بيروت بشكل دائم، وتحويل لبنان إلى "غزة ثانية" لإنهاء نفوذ إيران فيه بالقوة الصلبة.
سيناريو "السيادة القسرية": نجاح الدولة اللبنانية، بدعم عربي (سعودي-قطري) وأوروبي، في فرض "فصل المسارات"، والوصول إلى اتفاق في واشنطن يرتكز على القرار 1701، مما يضع حزب الله أمام مواجهة حتمية مع الإجماع الوطني.
في المحصلة، إن الربط بين مفاوضات إسلام آباد والواقع الميداني في لبنان هو مقامرة بمستقبل الكيان اللبناني. إن المصلحة اللبنانية العليا تقتضي استعادة "المبادرة الوطنية" والتمسك بـ اتفاقية الهدنة 1949 والقرار 1701 كأدوات قانونية دولية، بعيداً عن صراعات المحاور. إذا نجحت إيران في تأمين مصالحها النووية والبحرية، فليس ثمة ضمانة تاريخية بأنها لن تضحي بمكاسب لبنان الميدانية ثمناً لاستقرار نظامها. لذا، فإن "الدخان الأبيض" يجب أن يخرج من المؤسسات اللبنانية في بيروت، وليس من قاعات الفنادق في إسلام آباد، وإلا سيبقى لبنان "الرجل المريض" في الشرق الأوسط، ساحةً للصراع لا وطناً للسيادة.
ويبقى السؤال: إذا نجحت مفاوضات إسلام آباد في ملف مضيق هرمز والنووي، هل ستضحي إيران بنفوذ حزب الله العسكري في الجنوب اللبناني كثمن لهذا الاتفاق، أم سيبقى لبنان "ساحة منسية" خارج أي تسوية نهائية؟