لبنان: كلفة المعيشة 3500 دولار للأسرة والأجور لا تتخطى 800

في بلد مثل لبنان، لا يمكن قياس كلفة المعيشة من خلال ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية أو المحروقات وحسب، بل يرتبط مستوى المعيشة بشكل مباشر بخصوصية الاقتصاد وانكشافه على الأزمات الداخلية والأوضاع الجيوسياسية، إذ إن أيّ اضطراب سياسي أو أمني أو اقتصادي يعد عاملاً مؤثراً يمس أسعار السلع والخدمات والقدرة الشرائية للأسر.

ووفق أحدث أرقام صادرة عن مؤسسة Numbeo للأرقام، تقدر التكاليف الشهرية لعائلة مكوّنة من أربعة أفراد في بيروت بنحو 3504.4 دولارات، باستثناء تكاليف الإيجار. في المقابل، فإن متوسط مستوى الأجور لا يتعدى حاجز 500 أو حتى 800 دولار في العديد من الوظائف، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص. وليست تقديرات كلفة المعيشة في عموم البلد بأفضل حال. فقد قدّرتها Numbeo  بنحو 3159.7 دولاراً من دون الإيجار.

هذا التباعد المتزايد بين مستويات الدخل والنفقات الضرورية، أدى إلى اتساع فجوة القدرة الشرائية لدى العاملين، بحيث لم يعد ارتفاع الأسعار يمثل مسألة اقتصادية فحسب، بل باتت قضية عمالية واجتماعية ترتبط مباشرة بمستوى الأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية. وهو ما دفع النقابات والهيئات العمالية إلى الاتّجاه إلى الشارع.

حالة طوارئ اقتصادية

تتصاعد حالة الغليان في الشارع اللبناني مع الارتفاع المتواصل في الأسعار وتفاقم كلفة المعيشة، وهو ما يدفع بالتحركات العمالية والنقابية إلى الواجهة، ويزيد من حدة المطالب بتحسين الأجور وتأمين ظروف معيشية وعملية أكثر ملاءمة، وإن شهدنا تراجعاً للتحركات العمالية مؤخراً، غير أنه أتى مشروطاً بزيادة بدل النقل وتقديم الدعم للسائقين العموميين.

فقد أفضت الأوضاع الحالية بعد تآكل قيمة الرواتب في لبنان، إلى التلويح بالإعلان عن حالة طوارئ اقتصادية. حاول العمال رفع صوتهم بالتلويح بالإضراب، فقوبلوا بوعود من وزارة المال بتقديم مساعدة للسائقين العموميين بقيمة 12 مليون ليرة شهرياً، وبوعد من وزارة العمل بزيادة بدل النقل إلى 5 ليترات بنزين يومياً، قد تضمن وصول الموظف إلى مقر عمله من دون أن يتمكن راتبه من تأمين معيشته على مدار الشهر. 

جنون الأسعار 

تكشف مقارنة بسيطة آلية ارتفاع الأسعار منذ عام حتى اليوم. فعلى الرغم من أن معدل التضخم سجل 16% تقريباً، بحسب البنك الدولي، لكن الأسعار والارتفاعات التي طالت الخدمات ارتفعت بشكل مضاعف. فقد تضاعفت تقريباً أسعار المحروقات، وارتفعت كلفة الكهرباء من المولدات الخاصة بنحو 74%، فيما كلفة التعليم ارتفعت بنسبة  35.72%. 

وبحسب بيانات الإحصاء المركزي، ففي العام الدراسي 2025-2026، أعلن بعض المؤسسات التربوية زيادات على الأقساط تراوحت بين 20 و25%، فيما أشارت تقارير أخرى إلى زيادات تراوحت بين 20 و35% في عدد من المدارس الخاصة. ومع بدء العام الدراسي 2026-2027، بدأت مدارس بإبلاغ الأهالي عن زيادات جديدة قد تتجاوز 30% في بعض الحالات. وبالتالي، ارتفع معدّل أسعار التعليم في لبنان 35.72% بين آب 2025  و2026. وهذا يعني أن التعليم وحده سجل خلال عام زيادة تفوق قدرات الأهل على تسديد الرسوم المدرسية.

المحروقات والنقل 

ومنذ اندلاع الحرب بدأت أسعار المحروقات ترتفع تدريجياً، كنتيجة طبيعية لارتفاع أسعار النفط عالمياً والتأثيرات الجيوسياسية، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار المحروقات في لبنان. وفي أحدث قراءة لمخاطر الوقود في الشرق الأوسط نشره موقع ميدل إيست فورم، وُضع لبنان إلى جانب سوريا واليمن بين الدول الأكثر عرضة لتأثير أي اضطراب في إمدادات الطاقة، في ظل اعتماده على استيراد المشتقات النفطية للنقل وتوليد الكهرباء والخدمات الأساسية.

وتشير الأرقام  إلى ارتفاع أسعار البنزين في لبنان خلال عام بنحو الضعفين، ففي  أيلول 2025 كان سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان يبلغ نحو 1.493 مليون ليرة، ليصل اليوم  إلى 2.8مليون ليرة،  أي إلى الضعفين تقريباً خلال عام. 

 أما المازوت، فارتفع من نحو 1.37مليون ليرة للصفيحة في أيلول 2025 إلى نحو2.77مليون ليرة في أيلول 2026، بزيادة تصل إلى 102%. ولم يتوقف أثر ارتفاع المحروقات عند سعر الصفيحة، بل يمتد إلى كافة القطاعات المرتبطة جوهرياً بالمحروقات، من ضمنها ارتفاع أسعار النقل. إذ تشير جولة ميدانية إلى أن بعض سائقي السيارات العمومية بدأوا بوضع تسعيرة جديدة تصل إلى 400 ألف ليرة بدلاً من 250 ألف ليرة.

ماذا عن الكهرباء؟

كانت الكهرباء البند الأكثر تأثراً بالأوضاع الجيوسياسية، وزادت الأسعار منذ عام حتى اليوم بشكل مخيف.  ففي أيار 2025، بلغ سعر الكيلوواط/ساعة لدى المولدات الخاصة نحو 27789 ليرة لبنانية، أي ما يقارب 31 سنتاً أميركيًا، وفق التسعيرة الصادرة عن وزارة الطاقة، قفز السعر إلى 40580 ليرة في آذار 2026، ثم إلى 48241 ليرة في أيلول 2026، أي نحو 54 سنتًا للكيلوواط/ساعة. 

وبذلك ارتفعت كلفة الكيلوواط لدى المولدات الخاصة بنحو 74% مقارنة بأيار 2025، ما يعني أن الأسرة التي كانت تدفع نحو 31 دولاراً مقابل 100 كيلوواط/ساعة في أيار 2025 أصبحت تدفع ما يقارب 54 دولارا للكمية نفسها في أيلول 2026.

السلع الاستهلاكية

واصل مؤشر أسعار الاستهلاك تسجيل زيادات كبيرة وبمعدل شهري منذ نهاية العام الماضي. وبحسب بيانات الإحصاء المركزي، فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في لبنان 16.66% بين آب 2025 و2026، وبعد دخول لبنان في الحرب في فبراير 2026، بدأت الأسعار ترتفع بشكل كبير. وسجل معدل التضخم 20% في نيسان الماضي.

ولعل أكثر ما يؤلم المواطن، في ظل ارتفاع الأسعار، هو الزيادة التي طرأت على أسعار الخبز.  خلال 2025 تراوح سعر ربطة الخبز المتوسطة ما بين 65 إلى 75 ألفاً داخل الأفران و90 ألفاً في المتاجر، لكن السعر ارتفع في أيلول 2026، وبحسب وزارة الاقتصاد زاد السعر للربطة المتوسطة من75  ألف إلى 80 ألف ليرة في الأفران ووصل في بعض المحال التجارية إلى 100 ألف ليرة. وقد حذر اتحاد نقابات الأفران والمخابز في لبنان من ارتفاع جديد محتمل في سعر ربطة الخبز، وربط ذلك بالارتفاع المتواصل في أسعار القمح والطحين والمازوت والطاقة والنقل، معتبراً أن هذه الزيادات تضع قطاع الأفران والمواطن اللبناني أمام وضع اقتصادي واجتماعي بالغ الصعوبة.

ماذا عن السكن؟

أما بالنسبة إلى الإيجارات، فتظهر بيانات Numbeo أن متوسط إيجار شقة من غرفة واحدة يبلغ نحو 725 دولاراً شهرياً في وسط المدينة،  بينما كان السعر قبل عام يتراوح ما بين 550 و650، فيما يصل إيجار شقة من ثلاث غرف إلى نحو 1600 دولار في  وسط المدينة و891 دولاراً خارج العاصمة، بزيادة 100 إلى 150 دولاراً عن العام السابق.

في ظل تضاعف أسعار المحروقات والكهرباء والتعليم خلال عام واحد، وأجور لا تكاد تغطي خُمس كلفة معيشة الأسرة في بيروت، تتسع الفجوة بين الدخل والإنفاق الضروري يوماً بعد يوم. ومن دون زيادة حقيقية في الأجور وحماية اجتماعية تواكب الغلاء، ستبقى وعود بدل النقل والمساعدات المؤقتة مسكّنات لا تعالج جوهر الأزمة.