المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بومنصف
الاثنين 27 نيسان 2026 07:42:55
يقترن تاريخ اتفاقات وقف النار والهدنات القصيرة أو الطويلة الأمد في لبنان بتاريخ معاناته مع الحروب منذ أكثر من خمسة عقود، ولكنه قطعاً الآن امام تجربةٍ مختلفةٍ تماماً يصعب تطبيق المعايير القديمة عليها. لا وقف نار سيصمد ولا هدنة ستستقيم قبل اختباراتٍ بالغة الصعوبة سيتوجب على اللبنانيين انتظار نتائجها للتيقن من نهاية الحرب نهاية حاسمة، هذا ما لم يكن الانهيار مصير كل الجاري راهناً من جهود استثنائية، على رغم عودة لبنان وملفه الاستراتيجي للمرة الأولى منذ عقود إلى البيت الأبيض.
ومع ذلك، فإن الأيام الطالعة ستضع بالتحديد كلاً من إدارة ترامب ولبنان الحكم والحكومة أمام اختبارين أساسيين حاسمين يتوقف عليهما تحديد مسار انتشال لبنان من براثنٍ إقليمية عملت طويلاً على إحكام الطوق الخانق عليه.
لقد صفق اللبنانيون بغالبيتهم الساحقة لما يشكل أخطر وأبرز إنجازٍ مبدئي وسياسي وديبلوماسي واستراتيجي تمثل في منع إدارة ترامب ايران، للمرة الأولى منذ تعميق نفوذها القاتل في لبنان، من ربط مسار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية بمسار الاستعدادات للمفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية. هذه اللعبة كان حافظ الأسد رائدها تاريخياً منذ صادر القرار اللبناني مع ترك الإدارات الأميركية المتعاقبة بعد دخول الجيش السوري ومخابرات الأسد إلى لبنان بعد حرب السبعينات، واستقى التجربة واستنسخها نظام الملالي في ايران عبر اقتحامه الداخل السياسي بذراعه "حزب الله ".
ومع اندفاع الرئيس ترامب إلى إعلان رعايته المباشرة للملف التفاوضي الثنائي اللبناني- الإسرائيلي الأسبوع الماضي، تعود صورة الاندفاع المماثل الذي طبع حقبة التفاوض اللبناني مع إسرائيل قبيل ولادة اتفاق 17 أيار 1983.
هنا تماماً ستتبلور تجربة الاختبار الأميركي الحالي ومدى صلابة صموده وقدرته على دعم السلطة اللبنانية التي تمضي نحو خطواتٍ تاريخيّة بحق لعقد اتفاقٍ مستدام مع إسرائيل، لان تركها وحدها، من دون وجوهٍ عملية حاسمة من الدعم الأميركي والدولي، تقلع شوك إسرائيل و"حزب الله" سواء بسواء لن يكون سوى وصفة انتحارية.
في المقابل سيكون الحكم والحكومة والقوى السياسية الداخلية، للمرة الأولى، ليس منذ بداية العهد الحالي فحسب بل منذ فجر اتفاق الطائف، أمام الاختبار النهائي الحاسم بين فرض الدولة بقوة الشرعية وبقوة الأكثرية الساحقة الرافضة نمط حروب إسناد الآخرين واستباحة لبنان من أجل مصالح بقايا النظام الإيراني وحرسه الثوري، وبين انهيار الثقة الواهية المتبقية داخلياً وخارجياً بالدولة اللبنانية، بما يعني العودة إلى أسوأ ما عرفه لبنان من تفكك وفوضى واستباحات سواء بسواء.
من غير المجدي الغرق في ما يلائم إسرائيل وإيران في توزيع التبعات عما سيحل بلبنان إن تراجع أو انهار مسار خيار التفاوض أمام تفجر الحرب مجدداً، على ما تثيره الوقائع الراهنة من مخاوف. معروف أن إيران، أو بقايا نظامها، أو من يديرها الآن من المدن الصاروخية تحت الأرض، تستقتل لإبقاء الربط بين مسار لبنان ومسارها مع أميركا. ومعروف أكثر أن إسرائيل أنجزت ما تريد إنجازه في منطقة "الخط الأصفر" التي تنذر باحتلالٍ أبدّي اشبه بضم الجولان.
لن تكسر الكماشة الإقليمية الصدئة التي تخنق لبنان سوى شراكةٍ استراتيجية جادة بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية لأن أحداً لن يخاف لبنان إلا إذا بلغ هذا المستوى من التحدي الاستراتيجي وكانت الدولة بحجم تحدياته. لذا، يهولون بالفتنة والحرب الاهلية وإيقاظ شياطينها. فلنننتظر ماذا تهيء "دولتنا" لهذا التاريخ المفصلي؟