لبنان وإسرائيل: حربٌ على الدولة أم على الجماعات المسلّحة غير الحكومية؟

منذ عام 1948، ظلّت العلاقة بين لبنان وإسرائيل واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب طبيعة الصراع، بل بسبب الإشكالية الجوهرية في تعريف “الطرف المقابل” في هذه المواجهة. فبينما يُنظر إلى لبنان رسميًا كدولة ذات سيادة، تكشف مسارات التاريخ العسكري أن طبيعة الصراع تغيّرت تدريجيًا: من مواجهة بين دولتين في المرحلة الأولى، إلى واقع باتت فيه جماعات مسلحة غير حكومية تلعب الدور الأساسي في إشعال الجبهة الجنوبية، وسط تراجع قدرة الدولة اللبنانية على احتكار قرار الحرب والسلم.

هذا التحوّل جعل من الجنوب اللبناني ساحة صراع مفتوحة، تتكرر فيها الحروب تحت عناوين متبدّلة، لكن ضمن نمط شبه ثابت: عمليات عسكرية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج القرار الرسمي للدولة، يتبعها ردّ عسكري إسرائيلي واسع يطاول، في كثير من الأحيان، البنية التحتية اللبنانية ومؤسسات الدولة والمجتمع اللبناني ككل.

1948 – 1967:
في المرحلة الأولى التي أعقبت قيام دولة إسرائيل، كان لبنان الرسمي، كدولة وجيش، جزءًا من المواجهة العربية–الإسرائيلية التقليدية. وقد شارك الجيش اللبناني في حرب 1948 ضمن إطار الجيوش العربية، قبل أن يوقّع لبنان وإسرائيل اتفاق الهدنة عام 1949، ما كرّس حدودًا بقيت هادئة نسبيًا مقارنة بجبهات عربية أخرى.
لكن هذا الواقع بدأ يتغيّر تدريجيًا مع ضعف سيطرة الدولة اللبنانية على الجنوب، وخصوصًا بعد تنامي الوجود الفلسطيني المسلح داخل المخيمات اللبنانية. ومع الوقت، تحوّلت أجزاء من الجنوب إلى مساحة تنطلق منها عمليات عسكرية لا تخضع مباشرة لقرار الدولة اللبنانية، ما أدخل البلاد في مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: الفلتان الأمني وتآكل احتكار الدولة للسلاح والقرار العسكري.

هذا التحوّل شكّل البذرة الأولى للإشكالية التي سترافق لبنان لعقود: انتقال المواجهة من حرب بين دولتين إلى صراع يرتبط بشكل متزايد بجماعات مسلحة غير حكومية تعمل من داخل الأراضي اللبنانية.

1968 – 1982:
مع نهاية الستينات، تحوّل الجنوب اللبناني تدريجيًا إلى قاعدة خلفية لعمليات الفصائل الفلسطينية المسلحة ضد إسرائيل، في ظل عجز الدولة اللبنانية عن فرض سيطرة كاملة على الحدود الجنوبية ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لعمليات عسكرية مستقلة.

هذه المرحلة شهدت تصاعدًا تدريجيًا في العمليات عبر الحدود، قابلته إسرائيل بسلسلة من الغارات والعمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية. ومع اتساع الفلتان الأمني وتراجع سلطة الدولة، بات الجنوب اللبناني عمليًا خارج السيطرة الكاملة للمؤسسات الرسمية.

ذروة هذا المسار جاءت في اجتياح 1978، ثم الاجتياح الأوسع عام 1982، والذي أعلنت إسرائيل أنه يهدف إلى إنهاء التهديدات الآتية من جنوب لبنان بعد تزايد العمليات المسلحة العابرة للحدود.

في هذا السياق، بقيت الدولة اللبنانية في موقع العجز أو الغياب، فيما تركزت المواجهة الفعلية بين إسرائيل وجماعات مسلحة غير حكومية تتمركز داخل لبنان وتتحرك خارج القرار الرسمي للدولة.

1982 – 2000:
بعد عام 1982، ومع انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، ظهر فاعل مسلح جديد داخل الجنوب اللبناني، ما أعاد إنتاج نمط المواجهة نفسه ولكن بأدوات مختلفة.

خلال هذه المرحلة، سعت إسرائيل إلى إنشاء “منطقة أمنية” داخل الجنوب، فيما استمرت العمليات ضد قواتها من قبل جماعات مسلحة غير حكومية لبنانية ناشئة. النتيجة كانت حرب استنزاف طويلة، لم تكن بين دولتين بقدر ما كانت بين جيش نظامي وخصوم غير نظاميين يتحركون داخل بيئة لبنانية معقدة تعاني أصلًا من ضعف الدولة وتعدد مراكز القرار العسكري.

عام 2000، انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان بشكل أحادي، من دون اتفاق نهائي، منهية بذلك مرحلة الاحتلال المباشر، لكنها لم تُنهِ نمط الصراع نفسه ولا أزمة السلاح الخارج عن إطار الدولة.

2000 – 2006:
بعد الانسحاب الإسرائيلي، بقيت الحدود عرضة لاشتباكات متقطعة، في ظل استمرار وجود قوة مسلحة خارج إطار الدولة اللبنانية تحتفظ بقرار عسكري مستقل عن المؤسسات الرسمية.

وسرعان ما تطور الوضع إلى حرب 2006، التي اندلعت إثر عملية عبر الحدود وأسر جنود إسرائيليين، ما أعاد ترسيخ المعادلة نفسها: عمل عسكري تنفذه جماعات مسلحة غير حكومية من داخل الأراضي اللبنانية، يقابله رد عسكري إسرائيلي واسع النطاق طال الدولة اللبنانية وبنيتها التحتية ومختلف المناطق اللبنانية.

هذه الحرب أعادت طرح السؤال المركزي: إلى أي مدى يكون لبنان كدولة هو الطرف المقصود في الحرب، وإلى أي مدى يتحول إلى ساحة جغرافية لصراع بين إسرائيل وجماعات مسلحة تتحرك انطلاقًا من أراضيه؟

2006 – 2023:
بعد حرب 2006، استقر وضع “الردع غير المعلن” على الحدود الجنوبية، لكن من دون معالجة جوهر الإشكال الأساسي: استمرار وجود قوة مسلحة خارج إطار الدولة اللبنانية تحتفظ بقدرات عسكرية مستقلة وقرار أمني منفصل عن مؤسسات الدولة.

خلال هذه المرحلة، بقيت المواجهة محصورة غالبًا ضمن قواعد اشتباك غير مكتوبة، مع استمرار التوتر دون انفجار شامل، ما أبقى لبنان في حالة “لا حرب ولا سلام”، في ظل سيادة منقوصة وعجز الدولة عن احتكار القوة بشكل كامل.

2023 – 2026:
مع اندلاع الحرب في غزة، عادت الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية إلى التصعيد ضمن النمط نفسه الذي تكرّر عبر العقود: عمليات عبر الحدود تنفذها جماعات مسلحة غير حكومية من لبنان، يقابلها رد عسكري إسرائيلي واسع طال مناطق لبنانية متعددة.

ومرة جديدة، وجد لبنان نفسه أمام معادلة مألوفة: قرار التصعيد لا يصدر عن الدولة اللبنانية، لكن الدولة والمجتمع اللبناني يتحملان نتائج الحرب والتدمير والانهيار الاقتصادي والأمني.

هذا التطور أعاد إحياء النقاش القديم حول طبيعة الحرب: هل هي حرب بين دولتين، أم مواجهة بين دولة وجماعات مسلحة تعمل من داخل أراضي دولة أخرى خارج سلطة مؤسساتها الرسمية؟

في المحصلة، يُظهر تاريخ المواجهات اللبنانية–الإسرائيلية أن المشكلة الأساسية لم تكن دائمًا في وجود حالة حرب تقليدية بين دولتين، بل في تحوّل الأراضي اللبنانية، تدريجيًا، إلى ساحة تنشط فيها جماعات مسلحة لا تخضع بالكامل لسلطة الدولة. فمنذ نهاية الستينات، بات الفلتان العسكري وازدواجية السلاح عنصرًا ثابتًا في كل جولة تصعيد، حيث كانت العمليات تنطلق من لبنان فيما تتحمل الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني كلفة الردود والحروب.

وبين ضعف الدولة ووجود قوى مسلحة مستقلة القرار، بقي لبنان عالقًا في معادلة جعلته، مرارًا، يدفع ثمن حروب لم تكن الدولة اللبنانية صاحبة قرارها الكامل.