لبنان يتهيّأ لجولة خامسة تستكمل البنود الإجرائية…

وسط معالم الاستنزاف الميداني الطويل الذي يطبق على لبنان كله، ولو كانت مناطق الجنوب وبعض البقاع الغربي المسرح المباشر التدميري له، أكملت الحرب المستمرة بين إسرائيل و"حزب الله" منذ 2 آذار الماضي المئة يوم (الأولى) على اشتعالها، من دون أي أفق ملموس لوضع حد لها في المدى القريب.

وفي ظل تمادي الوقائع الميدانية التي تنذر بمزيد من الاستنزاف، تتكثف الاستعدادات من الجانب اللبناني الرسمي لانعقاد الجولة الخامسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية في واشنطن في 22 حزيران المقبل، والتي ستتّسم بمزيد من الأهمية نظراً إلى تعمّق المفاوضات في المسائل والنقاط الإجرائية الأمنية انطلاقاً مما نصّ عليه البيان الذي صدر عقب الجولة الرابعة، ولا سيما لجهة وقف النار والمناطق التجريبية، إذ إن التطورات الميدانية التي حصلت بعد هذه الجولة ناهيك عن تداعيات التطورات التي حصلت بين إيران وإسرائيل، ستجعل مباحثات الجولة المقبلة على جانب أكبر من الأهمية لجهة النتائج المرتقبة منها.

ويرافق الاستعدادات للجولة التفاوضية المقبلة رصد حركة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الذي سعى من خلالها إلى إقناع الثنائي الشيعي، ورئيس مجلس النواب نبيه بري تحديداً، بطرح المناطق التجريبية والتزام وقف النار الشامل، لإتاحة المجال لبدء تنفيذ هذه المرحلة التنفيذية الأولى من الاتفاق الذي أُعلن عقب الجولة التفاوضية السابقة.

تحرك الأمم المتحدة

وبدا لافتاً وسط هذه الأجواء، دخول الأمم المتحدة للمرة الأولى منذ نشوب الحرب الحالية في 2 آذار الماضي على خط الجهود للجمها من باب رصد انتهاكات حقوق الإنسان. فقد أعلنت الامم المتحدة أمس عن اتفاق مع السلطات اللبنانية على إرسال فريق تحقيق لجمع أدلة بـ"انتهاكات حرب" من جميع الأطراف. وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إنه سيرسل بعثة إلى لبنان للتحقّق من انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان منذ اندلاع الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل في آذار.

وقال تورك للصحافيين: "لقد اتفقتُ مع حكومة لبنان على إجراء بعثة تقييم مستقلة وحيادية في البلاد". أضاف: "سأعمل قريبا على نشر فريق لجمع المعلومات والأدلة حول الانتهاكات والتجاوزات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني والقوانين ذات الصلة التي ارتكبتها أطراف النزاع المسلّح في البلاد منذ الثاني من آذار".

أما في المشهد السياسي، فبدا لافتاً مضي رئيس الجمهورية جوزف عون في تأكيدات شبه يومية للاستمرار في خيار المفاوضات، بما يعكس اتّساع التحديات التي تواجهها الدولة لإثبات صدقيتها الخارجية وثبات موقفها وسط الحملة الشعواء التي يشنّها "حزب الله" على الحكم والحكومة، مقترنة بتصعيد الموقف الميداني من جانبه وجانب إسرائيل سواء بسواء. وأعلن الرئيس عون في مواقف إضافية أمس، "أنني اتخذت قرار المفاوضات وسأكمل فيه حتى النهاية لأن لبنان هو عضو مؤسس في الأمم المتحدة وله كيانه وسيادته، وانطلاقاً من قناعتي في أن الحروب لا تحقّق أي نتيجة إلا الخسارات التي يشترك فيها الجميع".

وقال: "ممنوع العودة إلى زمن الوصايات مهما كانت، ونحن نرحّب بمساعدة أي دولة، لكن الفرق كبير بين المساعدة والتدخل بالشأن الداخلي اللبناني لمصلحة أي دولة على حساب المصلحة اللبنانية، الأمر الذي لا نقبله. هناك الكثير من الدول التي نرحّب بمساعداتها، من دول الخليج إلى الدول الأوروبية وغيرها، لكن شرطنا عدم التعاطي بشؤوننا الداخلية بهدف تحقيق مصالح هذه الدول الخاصة". وجزم رئيس الجمهورية بأنه "على توافق تام مع رئيسي مجلسي النواب والوزراء على عكس ما يثار في وسائل الإعلام، وفي حال حصول اختلاف في الرأي، فهو غنى وأمر طبيعي، إنما التواصل موجود وهدفنا جميعاً المصلحة العامة، والعلاقة التي تجمعنا أكثر من ممتازة، مهما قيل، فهو غير صحيح؟".

في المقابل، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية مقطع فيديو لرئيس إسرائيل إسحاق هرتسوغ، وجّه خلاله رسالة إلى الرئيس جوزف عون والشعب اللبناني، وقال: "أمدّ يد السلام إلى رئيس لبنان والشعب اللبناني، لكن عليكم أن تحافظوا على لبنان حراً من النظام الإيراني و"حزب الله"، وأن يبقى لبنان دولة مستقلة ذات سيادة". وأضاف: "لدي حلم في السفر إلى بيروت، شريطة أن يكون مستقبل لبنان في بيروت، لا في طهران".

التحركات الديبلوماسية

وفي إطار التحركات الديبلوماسية، التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة السفير المصري علاء موسى، الذي شدّد بعد اللقاء على أن "ما سمعته من الرئيس بري لا يبتعد عن مواقف الرئيسين عون وسلام".

على خط المواكبة الخارجية للتطورات اللبنانية، استقبل أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في العاصمة القطرية الدوحة، الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والوفد المرافق الذي ضم رئيس الحزب و"اللقاء الديمقراطي" النائب تيمور جنبلاط، والنائب هادي أبو الحسن. وأفادت المعلومات أن اللقاء تناول "بحث الأوضاع والمستجدات على الساحتين اللبنانية والإقليمية وكيفية مواجهة التحديات وخفض التوترات، وإنهاء حالة الحرب في لبنان والمنطقة. وأثنى جنبلاط على الجهود الديبلوماسية والسياسية التي تقوم بها دولة قطر بقيادة سمو الأمير من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وثمّن الدور الفاعل لقطر ووقوفها الدائم إلى جانب لبنان في المراحل كافة، في ظل العلاقات الأخوية التي تربط البلدين الشقيقين".

أما الوضع الميداني في الجنوب، فحافظ على منسوب مرتفع من الاحتدام. ووجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مزيداً من إنذارات الإخلاء، ومنها أمس إنذار عاجل إلى سكان بلدات الغسانية وحومين الفوقا، إضافة إلى سكان قرية انصارية. وبينما الغارات والقصف والاستهدافات والتجريف تتنقل بين القرى، استهدفت غارة سيارة في مدينة صيدا للمرة الأولى متسبّبة بسقوط قتيلين، الأمر الذي اكتسب دلالات خطيرة لجهة اتّساع وتعميق الغارات إلى مناطق جديدة. كما أقدمت دورية إسرائيلية صباحاً، على اقتياد عضو بلدية كفرشوبا محمد حسن الحاج والعامل أحمد صلاح ذياب إلى جهة مجهولة.

وأفيد بأن الحاج وذياب كانا يعملان على تشغيل وضخ المياه لتأمين احتياجات الأهالي، قبل أن تعمد الدورية الإسرائيلية إلى توقيفهما واقتيادهما من المكان. ومساءً افيد عن إطلاق سراحهما. كما أقدمت القوات الاسرائيلية على نسف عدد من المنازل في بلدة الغندورية قضاء بنت جبيل.