لبنان يفتح باب التفاوض تحت النار… مبادرة عون تدخل الرعاية

يفتحُ لبنان اليوم باب التفاوض تحت ضغط النار، مستنداً إلى المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون منذ أكثر من خمسة أسابيع، في وقتٍ لم يكن فيه أي جواب أميركي واضح، ولم تُعطِ إسرائيل أيَّة إشارة إيجابية، فيما كانت الحرب بين حزب الله وإسرائيل تشتد. خلال تلك الفترة، واصل الرئيس اتصالاته، وكان يتلقى اتصالات دعم من دولٍ تستنكر إستمرار الحرب وتؤكد دعم لبنان، لكنه بقي يشدد على موقفه وعلى مبادرته وتمسكه بالتفاوض.

اليوم، لم يواجه تحريك مسار التفاوض برفض داخلي، باستثناء حزب الله. إذ أكدت مصادر مطلعة لـِ "المدن" أن رئيس مجلس النواب نبيه بري غير رافض، "وإن بقي حذراً في إبداء موقف علني، متمسكاً بمبدأ عدم التفاوض تحت النار، مثله مثل رئيس الجمهورية".

تقول المصادر إن الذي حرّك الملف أولاً كان تبدّل المناخ بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، على الرغم من الموقفين الأميركي والإسرائيلي الرافضين لفكرة أن مسار لبنان منفصل عن مسار إيران. كما أن ما حصل في بيروت، من مجازر إرتكبتها إسرائيل يوم "الأربعاء الأسود"، سرّع الأمور بشكل أكبر. وتؤكد المصادر أن هذا التطور حرّك الرأي العام الدولي والفاتيكان والدول الأوروبية، التي ضغطت باتجاه الولايات المتحدة، وتحديداً باتجاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من أجل وقف الإجرام الإسرائيلي والمجازر. ووفق معلومات خاصة لـِ "المدن"، وصلت إلى ترامب تقارير مفصلة عن الأماكن التي إستهدفها القصف الإسرائيلي في بيروت، التي لم تكن أهدافاً عسكرية.

واشنطن تمسك الملف
نتيجة كل ما حصل، تكشف المصادر أن بعبدا أُبلغت بالاتصال الذي أجراه الرئيس الأميركي برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، والذي طلب فيه خفض وتيرة التصعيد ضد لبنان ووقف إستهداف العاصمة بيروت وضواحيها، كما طلب ترامب من نتنياهو التجاوب مع طرح الرئيس عون للتفاوض وفق مبادرته، مؤكداً أن الولايات المتحدة سترعى إطلاق هذه المفاوضات وتنسّق مواعيدها.

بالتوازي، علمت "المدن" أن ترامب كلف وزير الخارجية ماركو روبيو متابعة الملف اللبناني، بعد أن كان موضوعاً على الهامش لأن الأولويات الأميركية كانت منصبة على إيران حصراً. لاحقاً، أُخرج الملف اللبناني ووُضع على طاولة روبيو بشكل مباشر، الذي كلف بدوره مايكل نيدمان، المستشار ومدير مكتب تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية، بمتابعته وبالمشاركة في الاتصالات التي ستبدأ بين لبنان وإسرائيل.

في هذا الإطار، يأتي الاتصال الهاتفي عبر الفيديو عند التاسعة مساء الجمعة بتوقيت بيروت، بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى الموجود حالياً في واشنطن، والسفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر، بمشاركة مايكل نيدمان.

في معلومات "المدن" أن هذا الاتصال المباشر، وهو الأول بين لبنان وإسرائيل، الهدف منه الاتفاق على موعد الاجتماع الذي سيتم خلاله وضع آلية التفاوض، وفي خلاله تنقل السفيرة حمادة موقفاً واضحاً: لبنان جاهز للتفاوض، لكن يجب وقف إطلاق النار أسوة بما حصل بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؛ أي إن لبنان يريد السيناريو نفسه، بوقف إطلاق النار أولاً والاتفاق على مدته، ثم بدء المفاوضات.

مسار تفاوضي طويل ومعقّد
وفق ما تكشف المصادر، فإنه في حال وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار، سيُصار إلى تكليف الفريق المفاوض الذي يرأسه السفير سيمون كرم، إلى جانب شخص آخر لم يُحدّد بعد. إذ كان من المفترض أن يكون السفير عبد الستار عيسى، إلا أن إتفاقاً حصل بين الرئيس عون والرئيس سلام على تسمية شخصية أخرى، مع طرح إسم بول سالم ضمن الخيارات. كما أن الجانب اللبناني ينتظر معرفة من سيكلفه الجانب الإسرائيلي، وعلى أي مستوى، وما هو حجم الفريق المفاوض وتركيبته، لتحديد شكل وحجم فريقه المفاوض بشكل نهائي.

أما في ما يخص أجندة التفاوض، وبحسب الطرح اللبناني، فبعد تثبيت وقف إطلاق النار، تشمل: وقف الأعمال العدائية كلياً، الانسحاب من الأراضي اللبنانية تباعاً، عودة الأسرى، البحث في موضوع الحدود وتصحيح النقاط الـ 13، ومن ثم البدء ببلورة الصيغة لأي اتفاق أو ترتيب قد يُتخذ بين لبنان وإسرائيل. حتى الآن، لا يمكن الحديث عن المسار النهائي، ولا يود توجه واضح لشكل الاتفاق، إذ إن مسار التفاوض نفسه هو الذي سيحدد الصيغة النهائية، بحسب ما تؤكد المصادر.

لكن في المقابل، يدرك لبنان أن المسار ليس سهلاً، بل صعب وطويل وغير معبّد، خصوصاً أن ما يجري في الجنوب يشير إلى أن إسرائيل تعتمد سياسة الأرض المحروقة، في محاولة لتحقيق إنجاز ميداني يتيح لها التفاوض من موقع القوة ومن موقع المحتل.

غطاء أمني لبيروت
أما في ما يتعلق بسلاح حزب الله، فتجيب المصادر أن هذا الأمر لا يُبحث في التفاوض، فهو شأن يُعالج داخلياً، وقد حسم لبنان موقفه من ملف السلاح بالقرارات التي إتُخذت في مجلس الوزراء.

الأهم في الوقت الراهن، أنه بغض النظر عن المسار الذي ستتخذه المفاوضات مع إسرائيل، أُبلغ لبنان أن هناك غطاءً أمنياً أميركياً يقضي بعدم إستهداف إسرائيل بيروت وضواحيها، فيما لا تريد إسرائيل التراجع عن وتيرة الحرب في الجنوب، ما يعكس محاولة لضبط إيقاع المواجهة لا إنهائها بالكامل.

هكذا، يدخل لبنان مسار التفاوض بكل تفاصيله وتعقيداته، مستنداً إلى مبادرة داخلية لم تتبدل، وإلى ضغط دولي فرضته المجازر، في لحظة إقليمية دقيقة عنوانها مفاوضات تحت النار، ولكن هذه المرة بشروط يسعى لبنان إلى تثبيتها.