المصدر: النهار
الكاتب: عمّار الحيدري
الثلاثاء 19 أيار 2026 09:27:46
بين رماد 1983 وطاولة 2026 يجد لبنان نفسه اليوم، في 17 أيار 2026، مسجوناً داخل ذات الدائرة المفرغة التي أحاطت اتفاق 17 أيار 1983. فالتاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يقتبس من نصوصه القديمة نفسها الإيقاع الدموي والمأزق الديبلوماسي المعقد.
فلا يزال التفاوض تحت وطأة القصف كما أجريت مفاوضات خلدة وكريات شمونة سابقاً تحت وقع الإحتلال والحصار عام 1983. وتدور إتصالات واشنطن وبيروت اليوم وسط تمديد هدنات هشة، وإعتداءات مستمرة في الجنوب والبقاع تشي بمحاولة إسرائيلية لفرض شروطها بالنار.
الترتيبات الأمنية التي نصت عليها معاهدة الثمانينات لإبعاد السلاح غير الشرعي، تطل برأسها اليوم عبر محاولات إسرائيل تثبيت واقع ميداني عسكري شمال نهر الليطاني وخلق "منطقةٍ عازلة بالنار".
كذلك الوساطة الأميركية المستمرة (الراعي هو نفسه)؛ فالديبلوماسية الأميركية تقود المسار اليوم كما قادته قبل 43 عاماً، محاولةً فصل المسار اللبناني عن التعقيدات الإقليمية الأوسع.
رغم تشابه العناوين، تختلف كواليس 17 أيار 2026 جوهرياً عن الأمس، فطبيعة القوى الداخلية والأمنية: في 1983، كان لبنان يرزح تحت وطأة حربٍ أهلية وإنقسام للجيش وإحتلال مباشر للعاصمة. أما اليوم، فالصراع محكوم بوجود "حزب الله" كقوة عسكرية منظمة ترفض التفاوض المباشر بصيغته المطروحة وتعتبر أي تنازل ميداني خطيئةً تفوق مأزق الـ83.
سقط إتفاق 1983 بفيتو سوري ميداني وسياسي صارم. أما اليوم، فتبدلت الخارطة الإقليمية وصار النفوذ الإيراني هو الموجه الموازي، بينما تسعى الدولة اللبنانية للبحث عن فرصة لإنهاء الصراع الدائم من دون السقوط في فخ الشروط المذلة.
بينما كان إتفاق 17 أيار القديم مشروع سلام وُلد ميتاً وأُلغي رسمياً في نيسان 1984، يقف لبنان اليوم عند حافة الهاوية ذاتها؛ إما التوصل إلى صيغة ديبلوماسية تضمن سيادته وتنهي الاعتداءات، وإما الإنزلاق نحو إتفاق أمني مشوه يكرس الإنقسام الداخلي ويدخل البلاد في دوامة صراع جديدة.