الجمعة 7 تشرين الأول 2022

04:51

لقاء بين المجلسين الاقتصاديين الاجتماعيين اللبناني والفرنسي

المصدر: MTV

في إطار الزيارة الرسمية لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الفرنسي تيري بودي، الى لبنان بدعوة من نظيره اللبناني الدكتور شارل عربيد، عقد لقاء عمل بمشاركة أعضاء الهيئة العامة في مقر المجلس في وسط بيروت، في حضور محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود، السفيرة الفرنسية في لبنان آن غريو، النائب فادي علامة، الاب سليم دكاش، روجيه نسناس واعضاء المجلس والوفد المرافق لبودي.
 
وكانت مناسبة تم في خلالها البحث في الية التعاون وتبادل الخبرات بين المجلسين وتفعيل وتعزيز التعاون بينهما.
 
استهل اللقاء بكلمة ترحيبية للرئيس عربيد رحب في مستهلها بنظيره الفرنسي، معربا عن سروره لوجوده في مقر المجلس. وقال:" يسرني ويشرفني ان أرحب بكم في هذا الصرح، وفي هذا اليوم الذي يظهر مدى عمق العلاقة وحيويتها بين بلدينا وشعبينا ومجلسينا".
 
ولفت عربيد إلى أنّ "لبنان وفرنسا يتشاركان، منذ زمن بعيد، مغامرة جميلة، بألوانها وجوانبها المختلفة" وقال:"لطالما كانت فرنسا إلى جانبنا، إذ تحركت بشكل ملحوظ في أعقاب الانفجار الذي دمر مرفأ بيروت وقلب عاصمتنا. وسعادة السفيرة من خلال  دورها الديناميكي وتحليلها الدقيق والحكيم للواقع اللبناني، تساهم في دعم صمود لبنان".
 
وأثنى عربيد "بشكل خاص، على العمل الإنساني الذي تنهض به فرنسا، في طليعة الدول الصديقة، ودعمها المتواصل للجيش اللبناني ولمختلف القطاعات، ولا سيما الاستشفاء والتعليم"، مذكرا ب" العلاقات المتبادلة بين المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الفرنسي والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي اللبناني، التي بدأها سلفي الرئيس روجيه نسناس، الحاضر معنا اليوم، تتعزز باستمرار مع الوقت".
 
ولفت إلى أنّ "التعاون الثنائي، الذي نرغب في تعزيزه، يسمح لنا بالتعلم من التطور الذي حققه مجلسكم، وتحديدا في ما يتعلق بمدى مشاركةالمجتمع المدني المنظم والشباب، لدعم التحولات الاجتماعية والأولويات المجتمعية". وقال:"في الواقع، منذ أن توليت مسؤولياتي أوائل العام 2018، راهنت على دينامية تحديث مجلسنا. ومنذ ذلك الحين، ونحن نعمل مع الزملاء والزميلات من أجر تعزيز قدراته كمؤسسة مستقلة، قادرة على هيكلة الحوار وجعله شاملا قدر الإمكان.ويندرج إصلاح مجلسنا ضمن هذه الروحية القائمة على الحداثة أو الديموقراطية التشاركية".
 
أضاف عربيد: "أطلقت عملية الاصلاح بموجب القانون الأخيرالصادر في نيسان 2022، بهدف تعزيز صلاحيات المؤسسة، ومجالات تدخلها مع إضافة الشق البيئي إلى اسمها. 
إن هذه العملية الاصلاحية تكرس مشاركة المواطنين وتوسّع نطاق الاستشارة المباشرة إلى كافة طبقات المجتمع عبر العرائض الشعبية.والآن وقد أصبح لدينا قانون، نعتزم أن نضطلع بدورنا كاملا "كمفعل" للاصلاحات الضرورية لبلدنا، لنقدم حلولا للأزمات النقدية  والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تزعزع أسس مجتمعنا".
 
وقال: "لن أطيل الحديث عن تشخيص أصبح معروفا للجميع. مؤشراتنا كارثية واقتصادنا يسقط في هوة ركود تضخمي. سقط لبنان في براثن الفقر بشكل دراماتيكي، وأبنائه يهاجرون بحثًا عن لقمة العيش.
 
إضافة إلى ذلك، وبعد عامين من الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت في 4 آب 2020، علِّق التحقيق بدون أي اعتبار لمعاناة أهالي الضحايا.على الرغم من التقاعس المتعمد للحكومات المتعاقبة، وخاصة السلطة التنفيذية التي لا تعمل بفاعلية، إلا أننا نؤمن بوجود امكانية لتعافي اقتصادنا.ويعود الأمر إلينا، نحن القوى الحية في هذه البلاد، هذه القوى التي لا بد من إشراكها في عملية صنع القرار".
 
وحذر عربيد من "خطورة تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى، خاصة وأن مشهد جلسة البرلمان الأسبوع الماضي لا يبشر بالخير".مضيفا :" ولبنان، الذي هو ضحية التدخلات الأجنبية، ومطلوب منه أيضا التعامل في آن مع القضايا الجيو-اقتصادية الكبرى وملف اللاجئين السوريين، لا يمكن له أن يتحمل شغور منصب رئاسة الدولة".
 
ورأى إنّ "نظام الحكم الحالي، المرفوض من غالبية اللبنانيين، والذي تنتقده الدول الصديقة علنا، يحول دون تنفيذ الإصلاحات الضرورية للبنان". وقال:"إضافة إلى المعوقات التي يسببها هذا النظام، هناك تحالف الأوليغارشية السياسية والمالية، إلى جانب سياسة الإفلات الكامل من العقاب. وفي سعيهما للحفاظ على نظام مفلس استفادت منه قلة لفترة طويلة جدا، تعتبر هاتان "الأوليغارشيتان" أنهما "لا يمكن المساس بهما" وغير خاضعتين للمساءلة بدليل عرض الحكومةلموازنة 2022 بأرقام مشكوك فيها ومثيرة للجدل، وموافقة البرلمان عليها".
 
وشدّد عربيد على "ضرورة تطبيق الإصلاحات الهيكلية فورا، شرط دمجها في خطة نهوض موثوقة، تشمل جميع الجهات الفاعلة المعنية. وكجزء من الخطة أيضا،يجب أن تبدأ عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتصميمها واقتراحها من قبل المصارف نفسها، ما يؤدي إلى وضع حد نهائي لـ "سياسة عدم التدخل" التي اعتمدتها هذه المصارف".
 
أضاف:"وفي طبيعة الحال، ليس واردا بالنسبة لنا أن نجعل المودعين يتحملون عبء عملية تخفيض الديون الجارية في القطاع، إذ لا يجوز التصرف بحقوقهم، علما أنهم يخضعون "للكابيتال كونترول" "غير الرسمي" منذ تشرين الأول 2019.ولكي تتمكن المصارف من تمويل الاقتصاد الحقيقي من جديد، يجب أن تتم إعادة الهيكلة وفقا للمعايير الدولية.
 
إن دينامية الإصلاحات هذه، التي طالب بها كل من اللبنانيين والمجتمع الدولي، تحتاج إلى أن تستكمل بعمل سياسي لم يتبلور بعد، ويتمثل في تسوية جذرية لمشكلة المعابر الحدودية غير الشرعيةالتي يمر عبرها التهريب من ناحية، وفي معالجة ملف التهرب الضريبي من ناحية أخرى.
 
لقد شهدنا منذ فترة طويلة، مكتوفي الأيدي ومكبلين، مكبلين لأننا مكتوفي الأيدي، تطبيعا تدريجيا للفساد، وحتى محاولة إضفاء الطابع المؤسسي عليه. ومجلسنا ينشط في محاربة الفساد، الذي يشل مؤسسات دولة القانون، ويزيد من أعباء العجز العام. كما يقوم مجلسنا بتعبئة الفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني المنظم، من أصحاب الخبرات الأساسية والذين يعملون على أرض الواقع، لتحقيق استراتيجيات مشتركة تشمل جميع الجهات الفاعلة المعنية".
 
وتابع :"بما أن المحسوبية السياسية هي الوجه الآخر للفساد، فإن خطة النهوض الوطنية يجب أن تتضمن أيضا مقترحات لتقليص حجم الإدارةالعامة وتطهيرها من "الموظفين الوهميين"، الذين يتقاضون رواتبهم مقابل عدم قيامهم بعملهم. 
 
إلى ذلك، أدى تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي إلى فقر مدقع، وتاليا تفكك مجتمعي غير مسبوق في تاريخ لبنان. وإذ يعاني اللبنانيون من نقص الكهرباء والوقود والسيولة وما سوى ذلك، فإذا بهم يهاجرون بأعداد كبيرة.
 
لبنان يفرغ من رأسماله البشري. والمشكلة الحقيقية هي أن هاتين مسألتين رئيسيتين تستدعيان التدخلات ذات الأولوية من قبل الدول الصديقة.
 
منذ ترؤسنا المجلس، كان رهاننا على الحوار المنفتح والشامل، إذ تعهدنا بجمع الأحزاب الرئيسية المكونة للنظام السياسي وممثلي القطاعات الإنتاجية من أصحاب العمل والعمال؛ والهيئات الاجتماعية والمهنية والنقابات، والمجتمع المدني والخبراء المستقلين.
وأدى ذلك إلى سلسلة من المقترحات والدراسات وخرائط الطريق التي ركزت على الإصلاحات الهيكلية التي يتعين القيام بها في المجالينالاجتماعي والاقتصادي والتي وافق عليها الجميع، قبل إحالتها إلى السياسيين.
 
أضاف :"اليوم، ومن خلال القانون الجديد الذي يعزز مكانتنا بصفتنا المنصة الأكثر شرعية لهيكلة الحوار بين اللبنانيين، يطمح المجلس إلى الوفاء بمهمته كعامل إجماع داخل المجتمع وبالتالي القدرة على العمل "كأداة تغيير في خدمة الإصلاحات.كما ونعتزم إطلاق مشروع اللامركزية قريبا وبدء حوار تشاركي على المستوى الوطني حول هذا الموضوع الأساسي.فاللامركزية الإدارية، التي ينص اتفاق الطائف (تشرين الأول 1989)، تسمح بالتنمية المتوازنة للمناطق.كما تشرع اللامركزية الباب أمام تعلق اللبنانيين بالدولة، كمواطنين ومكلفين مع ما يترتب على ذلك من آثار، وستؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة الاستقرار السياسي وبالتالي الوحدة الوطنية.
 
وقال :"كما ترون، في نهاية هذه المتاهة التي نمر بها حاليا، ومهما كانت مظلمة فنحن عازمون بمساعدة أصدقائنا، وفي مقدمتهم فرنسا، على الإصلاح وإعادة بناء لبنان مستقر ومزدهر يقوم على أسس جديدة ويستند إلى سيادة القانون.
 
من هذا المنظور، فإن توقيع اتفاقية ترسيم حدود لبنان البحرية مع إسرائيل، تمهيدا لاستغلال مواردنا الغازية والبحرية، سيؤدي إلى إعطاء زخم جديدة لاقتصادنا، وخلق فرص العمل، وبالتالي تعزيز النمو وجذب الاستثمارات. ونتيجة لذلك، ستعود الثقة بلبنان وسيتم الإفراج عن الدعم الخارجي.
 
وختم عربيد، متوجها الى الحاضرين :"إسمحوا لي أن أشاطركم شعارنا الخاص بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: "لنعمل معا كي نفكر بشكل أفضل، وننتج ونزدهر ونعيش بشكل أفضل!".
 
من جهته، رد بوديه بكلمة شكر فيها عربيد على حسن الاستقبال وحيا الحاضرين، مبديا الاستعداد للتعاون مع المجلس الاقتصادي. وجاء في كلمته:
"يسعدني بشكل خاص أن أكون معكم اليوم، هنا في بيروت، وأن أرد للرئيس عربيد الزيارة التي شرفنا بها إلى باريس في 13 تموز الماضي، لمناسبة انعقاد الجمعية العامة لاتحاد المجالس الفرنكوفونية، والذي تتولي فرنسا رئاسته للمرة الأولى. وأردت أن تكون زيارتي الأولى إلى بيروت بصفتي المزدوجة كرئيس للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الفرنسي ورئيس اتحاد المجالس الفرنكوفونية، للاشارة إلى أهمية العلاقة بين مجلسينا. وبالطبع العلاقة التاريخية العظيمة بين بلدينا".
 
أضاف:" بلدان صديقان، بلدان شقيقان، من ضفة إلى أخرى من بحر المتوسط - بحرنا أو ماري نوستروم Mare Nostrum - بلدان تربطهما قضايا مشتركة ولكن أيضا، وربما قبل كل شيء، ثقافة مشتركة، تحملها هذه اللغة الفرنسية التي تجمعنا والتي أنا فخور وممتن للتحدث بها أمامكم اليوم".
 
وتابع :"إن عمليات التبادل بين المجتمعات الفاعلة في بلدينا مفيدة دائما، واجتماعاتنا مجدية دائما، لأنه في زمن الاتصالات الرقمية المعولمة والاجتماعات عن بعد التي فرضتها الأزمة الصحية، أصبحنا نقدر مدى عمق وقيمة العلاقات الإنسانية المباشرة والعلاقات الشخصية العميقة".
 
أضاف بودي : "إن تمثيل الجهات الفاعلة لبلد ما ليس مجرد بروتوكول بسيط، بل على العكس، أصبح يشكل أكثر فأكثر شكلا مهما من أشكال الحوار الديموقراطي الأكثر انفتاحا واستدامة وعمقا".
 
تناهى إلى سمعي أن البعض يشكك أحيانا في شرعية مجالسنا وجدواها وفعاليتها. لكنني ألاحظ أنها حديثة ورؤيوية أكثر من أي وقت مضى. في كثير من الأحيان، تغرق الديموقراطية السياسية في المنطق الحزبي والتناقضات، والتكتلات ضد بعضها البعض، وأحيانا في تجاهل تام للمصلحة العامة. لكن مجالسنا بعيدة كل البعد عن هذه المظاهر، إذ إن قوتها الأساسية تكمن في تكوينها التعددي".
 
وقال :"في مجلسنا كما في مجلسكم، يتحاور مواطنون منخرطون في القطاع الخاص وفي المجتمع المدني بطريقة سلمية، والعديد منهم، ما كانوا التقوا لولا مجالسنا. في مجالسنا، يتحاورون حول مواضيع معقدة للغاية تعاني منها مجتمعاتنا، ويبذلون كلّ جهودهم، ليس للتمايز عن بعضهم البعض أو للانقسام، بل للتلاقي والتوافق في الآراء، حيث أن هذه الآراء يمكن أن تشكل مسارات عدة للسياسات العامة المقبولة لدى المواطنين. مجالسنا استشارية بطبيعتها. لهذا أود أن أقول إننا مجالس الكلمة الأولى، ما يعني أن الكلمة الأخيرة في يد أولئك الذين يتمتعون بشرعية الانتخاب. ولكن إذا كان القرار يعود، حسب المواضيع المطروحة، إلى السلطة التنفيذية أو التشريعية، فإن بناء القرارات يعود إلى المجتمعات بأكملها، وهذا ما تجسده المجالس الاقتصادية والاجتماعية والبيئية".
 
وتابع :"وتبقى الديموقراطية بشكل عام، والديموقراطية الاجتماعية والبيئية بشكل خاص، تجربة معقدة تتطلب منا جميعا تبادل الخبرات. فأفضل التجارب، تنبع من تلاقي الثقافات والحقبات التاريخية السياسية والديموقراطية المختلفة. لهذا السبب، وبصفتي رئيس لاتحاد المجالس الفرنكوفونية، أعتزم تعزيز التعاون وتشارك الأفكار لنتعلم من بعضنا البعض. وكما سبق وذكرت، إنها ليست صدفة أنني خصصت أول زيارة لي إلى لبنان. وأشكر مجلسكم على ترحيبه الحار - في تأكيد على السمعة الطيبة للبنان في الضيافة".
 
وتوجه بودي الى الدكتور عربيد والحاضرين: تمكنت من لقاء أعلى السلطات السياسية في لبنان، وهم: رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ورئيس مجلس النواب. وركز الجميع على حجم الأزمة التي ذكرتها للتو وضرورة إجراء إصلاحات للنهوض بالبلاد. وأنا أعلم، كم أنتم والمجلس مهتمون بالقضايا التربوية والاجتماعية، والفقر المتفشي، وكم ترغبون في العمل من أجل مستقبل أفضل لكل اللبنانيين، ولاسيما الأجيال الشابة التي ستصنع لبنان الغد".
 
أضاف:"ونحن نعلم، أنت وأنا، حضرة الرئيس، أننا لا نستطيع إعادة توزيع إلا الثروة التي تم تكوينها، ومن هنا أهمية الإصلاحات المصرفية والاقتصادية التي تطالبون بها والتي تريدون المساهمة فيها. لذا، سنجدد،اتفاقية تعاوننا، وأنا ألتزم أمامكم وأمام هذا الجمع، بمساعدتكم على إيجاد الظروف الاقتصادية المادية والفكرية التي ستمكن المجلس من إنشاء المرصد الاقتصادي والاجتماعي الذي سيعمل على قياس الأثر الحقيقي للسياسات العامة في هذه المجالات الأساسية.
 
لأن الدور هو دوركم! فمجلسكم، أسوة بالمجلس الفرنسي، لديه مهمة مزدوجة تتمثل في المساعدة في تطوير السياسات العامة وقياس أثرها. حكوماتنا ملزمة، بحكم القانون، أن تتشاور معنا بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. لكن، كلا منا لديه أيضا إمكانية تحديد شروط مواضيع النقاشات المستقبلية التي تعصف بمجتمعاتنا، ولكن لم يتم إدراجها بعد على الأجندة السياسية. ونحن نسعى جاهدين لتحقيق ذلك. ونعتزم استخدام امتيازاتنا وصلاحياتنا بالكامل، لأنها تصب في مصلحة مجتمعاتنا".
 
واردف بودي :"إن الإصلاحات الأخيرة التي طالت مجالسنا تعزز قدرتنا على المبادرة والتأثير. ومع إضافة البعد البيئي إلى البعدين الاقتصادي والاجتماعي، أصبحت لدينا مهمة جديدة لتعزيز مشاركة المواطنين. من الآن فصاعدا، في لبنان كما في فرنسا، يمكن للمواطنين العاديين تقديم التماس (عريضة) إلى المجلس، وهذا تقدم ديموقراطي ملحوظ. في مجتمعاتنا المستنيرة والمتعلمة، يريد المواطنون أن تكون لهم كلمتهم في المواضيع التي تعنيهم. فهم لم يعودوا يريدون فقط منح صوتهم في يوم الانتخابات، لكنهم يعتزمون إعلاء صوتهم والتعبير عن رأيهم.
 
ومع مشاركة المواطنين في أعمالنا، أصبحنا الآن أكثر من مجرد تجمع للهيئات المشكلة، إذ أصبح ممكنا تقديم التماس إلى مجالسنا عن طريق العرائض، وتشكيل مجموعات المواطنين الذين يتم اختيارهم بالقرعة، وتنظيم مؤتمرات المواطنين، وإنشاء المنصات الرقمية، وما إلى ذلك. وفي فرنسا، شكل "مؤتمر المواطنين من أجل المناخ"، الذي عقد في مجلسنا بين عامي 2019 و2020 وضم 150 مواطنا تم اختيارهم بالقرعة، ورغم عيوبه ابتكارا ديموقراطيا رئيسيا نريد الإفادة منه. وقد أطلقنا للتو، بناء على طلب رئيس الجمهورية الفرنسية، مؤتمرا ثانيا حول قضايا نهاية الحياة، وسيجمع أيضا 140 مواطنا يتمّ اختيارهم بالقرعة".
 
وأعرب بودي عن فخره "أن المجلس الفرنسي يختبر نماذج جديدة لمشاركة المواطنين في بلورة السياسات العامة. في بلد مجزأ مثل فرنسا اليوم، حيث فقد النقاش العام هدوءه وحيث باتت تظهر اليوم أشكال جديدة من الراديكالية الاجتماعية وحتى الثقافية في بعض الأحيان، أنا على قناعة بأهمية إعادة التفكير في إحياء النقاش الديموقراطي باستمرار.
في هذا الزمن الذي يسوده التوتر وفقدان الثقة بين الشعب والحكام، في فرنسا كما في لبنان، نشعر بأننا مؤتمنون بشكل خاص على الديموقراطية وعلى المستقبل وعلى جوهر مؤسساتنا".
 
وقال:"ونحن نشعر بواجب إعادة إحياء الفكرة الديموقراطية، لأن الديمقراطية مفهوم مسلم به ولا جدال فيه في أي مكان. والديموقراطية ليست حكرا على دولة واحدة فقط، لأن الديموقراطية الحديثة لا تنتمي إلى ثقافة محددة. وعلى هذا المستوى أيضا، وبعد مناقشاتنا، ألتزم لكم بأنني ساحاول تيسير تهيئة الظروف المواتية التي ستسمح لكم بتنظيم عملية الإحالات المقدمة إلى مجلسكم عن طريق الالتماسات (العرائض). أعتقد أنكم أصبحتم تدركون لماذا أرى أن ولايتي تتجاوز الحدود الفرنسية أو الأوروبية.
 
وتابع :" هذا هو معنى الرئاسة الفرنسية لاتحاد المجالس الفرنكوفونية، الذي أتمنى أن يكون جامعا وطموحا. وهذا بالطبع هو الغرض من زيارتي إلى بلدكم الجميل، والذي يمكن لقواه الاقتصادية والاجتماعية، ويجب عليها أن تساعد بشتى الوسائل في حلّ الأزمة غير المسبوقة التي تعيشونها والتي أود أن أعبر، بإسمي ونيابة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الفرنسي، وأيضًا باسم اتحاد المجالس الفرنكوفونية، عن تضامننا الكامل وثقتنا العميقة بقدرة لبنان، مع حلفائه التاريخيين، على التغلب على التحديات الهائلة التي تواجهه.
 
أضاف:" من خلال "الاتحاد"، لدينا الفرصة لتعزيز فضائل وقيم الفرنكوفونية والتعددية اللغوية، وإسهامات التنوع الثقافي، وتعدد الممارسات الديموقراطية. نحن بحاجة إلى تحديد نقاط مشتركة بين مجلسينا بشكل أفضل، والسبل والوسائل الملائمة لكي نغني بعضنا البعض، سواء من حيث الجوهر أو من خلال طرق العمل الجديدة لتكوين جمعيات المواطنين.
 
يسعدني أن أكون معكم اليوم لأن لبنان له دور رائد في وسط المجالس الفرنكوفونية. أعلم أن مجلسكم، وبعد صدور القانون الأخير في 12 نيسان 2022، أضاف عبارة "البيئة" إلى اسمه، وهو موضوع أساسي في أيامنا هذه، للجميع وفي كل مكان. ويكرس هذا القانون دور مجلسكم كجهة رئيسية في موضوع مشاركة المواطنين والتشاور مع الرأي العام حول هذه المواضيع التي أردت أن تكون مواضيعنا أيضا من أجل "صنع الديمقراطية" معا.
في حين يأسف الجميع على الشرخ بين الحكام والمحكومين، وأنتم اليوم 71 مستشارا ومستشارة، تمثلون أصحاب العمل والجمعيات والنقابات والمؤسسات المهنية والعمال الأجانب أو حتى الجمعيات البيئية والمجتمع المدني ... تشكلون الخبرات التي يحتاجها لبنان، والتي تحتاجها اللبنانيات واللبنانيون".
 
وختم بودي كلمته ، متمنيا "أن أكون قادرا على ترجمتها عملانيا من خلال تعزيز التعاون مع مؤسستكم، وأن تتطور هذه الصداقة اللبنانية الفرنسية التي نشهدها اليوم وتنمو، وأن ننتقل في الأشهر القادمة من الأقوال إلى الأفعال بعد تجديد اتفاقية الشراكة التي تجمع بين مجلسينا من خلال بدء دورة عمل ثنائية ومتعددة الأطراف.
 
لذا أقترح عليكم اعتماد هذا القول المأثور لـ"جان مونيه"، رفيق درب مقاومة الجنرال ديغول ومهندس المشروع السياسي العظيم الذي كان سيصبح الاتحاد الأوروبي، أقتبس: "لا شيء ممكن بدون الإنسان، لكن لا شيء مستداما من دون المؤسسات". هناك رجال ونساء متطوعون وملتزمون، كما أن هناك مؤسسات متينة، ولا بد من تعزيز الشراكة بينهم.
لذلك أتطلع إلى هذا العمل المشترك الواعد، بين المجالس الفرنكوفونية، ولكن أيضا، إذا سمحتم لي، بين الأصدقاء".
 
ثم تحدث عربيد وبودي الى الاعلام.وقال عربيد:" تركز الحديث على امور اساسية تهم المجلسين، وتطوير المجالس الاقتصادية في المنطقة ودورها، والخبرة التي نحن كمجلس اقتصادي لبناني نستطيع ان نستفيد منها من المجلس الاقتصادي الفرنسي".
 
اضاف:" كذلك تحدثنا عن تطوير العمل داخل المجلس والأهم تكبير إمكانية التأثير في القضايا والاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية".
 
وتابع:" ما يهمنا القول، أننا نقلنا الواقع الاجتماعي في لبنان، وتباحثنا في الإمكانيات التي نستطيع من خلالها القيام بعملية تشارك الاراء مع المواطنين اللبنانيين لإظهار حاجاتهم  وبالتالي المساعدة على ايجاد الحلول والخطط العملية لها. طبعا تطرقنا الى الهموم  الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة، اضافة إلى مواضيع الفقر والهجرة، وكيف يمكن أن نستفيد من خبرة ومساعدة المجلس الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي".
 
ولفت عربيد إلى أنه تم توقيع بروتوكول تعاون مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي، والى وصول مساعدات مباشرة من فرنسا التي هي إلى جانب لبنان وتدعمه وتدعم القوى المسلحة والجيش اللبناني وقطاعي التعليم والاستشفاء".
وأشار عربيد إلى أنه جرى البحث ايضا "في دور المجتمع المدني من خلال النظام الجديد، أن يكون للمجتمع المدني المنظم دور اساسي في مجلسنا لانه هو من ينقل الصورة إلينا ومعاناة الشباب الذين نهتم كثيرا لامرهم، لانه لا مستقبل من دونهم، فهم من سيرسم السياسات ويكونون القادة، إذ إن المجلس الاقتصادي يجمع كل هذه الطاقات".
 
وأمل أن" نسمع في المدى القريب اخبارا إيجابية في موضوع الترسيم البحري، إذ إن هناك إشارات إيجابية تاتي من الخارج علينا ملاقاتها في الداخل عبر اشارات، وعلى القوى السياسية أن تذهب سريعا لانتخاب رئيس للجمهورية وأن يتجدد العمل السياسي وتشكل حكومة، وبالتالي نستعيد العافية. أن المشوار طويل والآلام كبيرة إنما ما زلنا نثق بلبنان وعلينا الاستفادة من اصدقائنا ورعايتهم لبلدنا لبنان.
 
بدوره، قال بودي:"استجبت بسرور لدعوة المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان ورئيسه شارل عربيد من اجل وضع اتفاق تعاون جديد بين مجلسينا.  ان مجلسينا يعملان في  أطر سياسية واجتماعية مختلفة ولكن  لديهما أوجه تشابه كثيرة، وهما يجمعان نساء ورجال ملتزمين في القطاع الاقتصادي من  عمال وخبراء، واناس فاعلين في المجتمع المدني، ويشكلان ما اسميه المجتمع الفاعل، اي نساء ورجال يصنعون في مؤسساتهم يوميات مواطنينا وهم المساهمون الاساسيون في السياسات العامة".
اضاف:"ان مجالسنا هم المستقبل للمجتمعات المفتتة.وندرك بالاختبار بأن الديموقراطيات السياسية لوحدها لا يمكنها رفع التحديات التي تواجهها البلاد، ولا يمكنها ان تستجيب لوحدها لحاجات الشعوب. احيانا تترافق الديموقراطية مع الانقسام والتعطيل، والجمود والشلل، ولا يمكنها ان تقدم المصلحة العامة".
 
وقال :"وفي هذا الإطار ومن اجل رفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئة نحن بحاجة لان نفعل كل القوى الحية في بلدينا وان مجالسنا الاقتصادية والاجتماعية هي  التي تجمع القوى الحية. ونحن مجالس استشارية وهذا يعني بأنه يمكن ان تكون لدينا الكلمة الأولى في ما يتعلق بالمواضيع التي تهم المواطنين، وهذا يعني ان الكلمة الأخيرة لا تعود لنا بل تعود لمن لهم سلطة القرار اي الأشخاص المنتخبين، اي السلطة التشريعية والتنفيذية، ولكن بناء القرارات يعود إلى المجتمع بأسره والى المجتمع المدني الفاعل ألذي تمثله مجالسنا. وان مجالسنا تم إصلاحها منذ مدة قريبة وهذه الاصلاحات  تعطينا الامكانية بأن نشكل ملتقى للتشاور مع الجمهور والمشاركة المواطنية، وهذا ما سنعمل عليه في لبنان وفي فرنسا، ومن خلال تحفيز ذكاء الرجال والنساء في بلداننا وسنتمكن من تجاوز الصعوبات ومن مواجهة المتغيرات لصالح شعوبنا".
 
ثم وقع الجانبان اتفاقية تعاون بين المجلسين اللبناني والفرنسي.

X