المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرنسوا الجردي
الخميس 16 تموز 2026 14:36:38
لم يعد اللبنانيون يسألون من هي الجبهة التي سيُطلب منهم إسنادها غداً، بل باتوا يتساءلون: من سيساند لبنان؟
فبعد "إسناد غزة"، ثم "إسناد إيران"، ترتفع اليوم المخاوف من أن يُفتح فصل جديد تحت عنوان "إسناد اليمن"، وكأن قدر لبنان أن يبقى صندوق بريد للصراعات الإقليمية، وساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية، فيما يدفع شعبه وحده الثمن من دمه وبيوته واقتصاده ومستقبل أجياله.
لقد أثبتت السنوات الماضية حقيقة لا يمكن القفز فوقها، وهي أن ما سُمّي بـ"حروب الإسناد" لم يحقق الأهداف التي رُفعت شعاراتها. فلا الحرب في غزة توقفت بسبب فتح الجبهة اللبنانية، ولا موازين القوى الإقليمية تبدلت، ولا إيران أصبحت أكثر أمناً بفضل انخراط لبنان في المواجهة. أما النتيجة الوحيدة الملموسة، فكانت تدمير قرى الجنوب، وتهجير عشرات الآلاف من اللبنانيين، وإغراق الاقتصاد الوطني في خسائر إضافية، وتعميق عزلة لبنان السياسية والاقتصادية.
لقد تحوّل لبنان، مرة جديدة، إلى الدولة التي تدفع الفاتورة نيابة عن الآخرين، فيما تتخذ العواصم الكبرى والإقليمية قراراتها وفق مصالحها الوطنية، لا وفق مصالح اللبنانيين. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها مهما كانت مؤلمة.
إن أي دولة في العالم تضع مصلحة شعبها فوق كل اعتبار، أما في لبنان فقد اعتاد اللبنانيون أن تُربط مصالحهم بحسابات إقليمية تتغير بتغير موازين القوى، فيما يبقى المواطن اللبناني هو الضحية الدائمة.
إن أخطر ما في "حروب الإسناد" أنها سلبت الدولة اللبنانية حقها الطبيعي والحصري في اتخاذ قرار الحرب والسلم، وهو القرار الذي يجب أن يكون بيد المؤسسات الدستورية وحدها، لأن نتائجه لا تصيب حزباً أو فئة، بل تطاول كل بيت وكل عائلة وكل مؤسسة في لبنان.
ولا يمكن لأي منطق سياسي أن يبرر تعريض وطن كامل للدمار، بينما يعيش أصلاً أكبر انهيار اقتصادي ومالي في تاريخه، ويعاني من هجرة شبابه، وانهيار مؤسساته، وتراجع ثقته العربية والدولية. فالدول لا تُدار بالعواطف، بل بحسابات دقيقة توازن بين المبادئ والمصلحة الوطنية العليا.
واليوم، بينما تتحرك الدولة اللبنانية عبر القنوات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا والأمم المتحدة، من أجل تثبيت الاستقرار، وتنفيذ القرار 1701، واستعادة ما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة بالوسائل السياسية، فإن أي تصعيد عسكري جديد سيقوض هذه الجهود، وسيعيد لبنان إلى دائرة النار، في وقت يحتاج فيه إلى إعادة الإعمار والإنقاذ الاقتصادي لا إلى جبهة حرب جديدة.
لقد أثبت التاريخ أن لبنان كان دائماً أول من يدفع وآخر من يجني. دفع ثمن الحروب العربية، ثم ثمن الصراعات الفلسطينية، ثم الاحتلال السوري، ثم الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي، واليوم يواجه خطر الانزلاق مجدداً إلى حرب لا تخدم مشروع الدولة اللبنانية، بل تخدم أولويات إقليمية تتبدل وفق مصالح أصحابها.
إن التضامن مع الشعوب المظلومة حق إنساني وأخلاقي، لكن تحويل لبنان إلى ساحة قتال دائمة ليس تضامناً، بل تحميل شعبه أعباءً لا يستطيع تحملها. فالتضامن يمكن أن يكون سياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً، أما الزج ببلد منهك في حرب مفتوحة، فهو قرار تتجاوز كلفته قدرة اللبنانيين على الاحتمال.
لقد تعب اللبنانيون من لغة "المعارك المصيرية" التي لا تنتهي، ومن الشعارات التي تُرفع باسمهم فيما هم يغرقون أكثر فأكثر في الفقر والبطالة والهجرة. ولم يعد مقبولاً أن يبقى مستقبل أربعة ملايين لبناني رهينة قرار يتجاوز مؤسسات الدولة وإرادة غالبية المواطنين.
إن الدولة القوية لا تقوم بوجود أكثر من قرار أمني أو أكثر من استراتيجية دفاعية أو أكثر من مرجعية تحدد مصير البلاد. فلا سيادة فعلية من دون احتكار الدولة للسلاح ولقرار الحرب والسلم، ولا استقرار دائماً من دون مؤسسات دستورية تتحمل مسؤولياتها كاملة أمام الشعب.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف مفهوم الإسناد الحقيقي.
إسناد الجيش اللبناني ليكون القوة الوحيدة التي تحمي الحدود.
إسناد الدولة لتستعيد هيبتها وسلطتها على كامل أراضيها.
إسناد الاقتصاد ليستعيد اللبنانيون أعمالهم واستثماراتهم.
إسناد القضاء ليحاسب كل من يجر البلاد إلى المغامرات من دون تفويض وطني.
وإسناد الشباب اللبناني الذي لم يعد يحلم إلا بجواز سفر يؤمن له مستقبلاً خارج وطنه.
إن المعركة التي تستحق أن يخوضها اللبنانيون اليوم ليست معركة إسناد أي محور، بل معركة إنقاذ وطنهم من الانهيار، واستعادة دولتهم، وحماية سيادتهم، وتأمين مستقبل أبنائهم.
لقد آن الأوان لأن يتحول شعار المرحلة من "إسناد المحاور" إلى "إسناد لبنان".
فلبنان ليس ساحة لحروب الآخرين، ولا ورقة تفاوض على موائد الإقليم، بل وطن نهائي لأبنائه، ودولة تستحق أن تكون مصلحتها فوق كل المحاور، وفوق كل الحسابات، وفوق كل الشعارات.