لماذا تحتاج خطة حصر السلاح إلى تحديث؟

شكّل كلام رئيس الحكومة نواف سلام على خطة حصر السلاح بيد الدولة محطة لافتة، ليس لأنه كشف للمرة الأولى أن مجلس الوزراء كلّف قيادة الجيش إعداد خطة تنفيذية، بل لأنه أقرّ أيضاً بأن الخطة التي وُضعت قبل أشهر لم تعد كافية بصيغتها الأولى، قائلاً إن "الأمور تبدلت على الأرض، والآن نحن في حاجة إلى تحديث".

في 5 آب 2025، اتخذ مجلس الوزراء قراراً بتكليف الجيش وضع خطة تنفيذية لحصر السلاح بيد الدولة. أنجزت القيادة المهمة ورفعت تصورها إلى الحكومة، في إطار ترجمة القرار السياسي إلى آليات تنفيذية تراعي الاعتبارات العسكرية والأمنية واللوجيستية. إلا أن الأشهر التي تلت إعداد الخطة حملت تطورات متسارعة قلبت المشهد الذي بُنيت عليه.

فالخطة وُضعت قبل الاحتلال الإسرائيلي الذي أعقب أحداث 2 آذار 2026، حين توسعت القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية وتجاوزت نطاق جنوب الليطاني، فارضة واقعاً ميدانياً جديداً لم يكن قائماً عند إعدادها. كما أنها سبقت توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، وما استتبعه من التزامات سياسية وأمنية جديدة، فضلاً عن تصاعد الضغوط الدولية الداعمة لحصر السلاح بيد الدولة.

إلى هذه المتغيرات السياسية، فرض الميدان العسكري معطيات أكثر تعقيداً. فبعدما أعلن الجيش إنجاز المرحلة الأولى من خطة "درع الوطن" واستكمال انتشاره العملاني في منطقة جنوب الليطاني، باستثناء المواقع التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، أظهرت الوقائع اللاحقة أن المهمة لم تكن قد انتهت بالكامل.

فقد كشفت العمليات اللاحقة وجود بنى تحتية عسكرية إضافية، وشبكات أنفاق ومنشآت كبيرة لـ"حزب الله"، وهو ما فرض استكمال عمليات الكشف والمعالجة. وتؤكد مصادر عسكرية أن المؤسسة العسكرية واجهت خلال تنفيذ مهماتها تحديات ميدانية، من بينها عدم تعاون كامل في بعض المواقع، ووضع خطوط حمر حالت دون دخول الجيش  عددا من المنشآت، الأمر الذي انعكس على وتيرة تنفيذ الخطة الأصلية.

إنجاز المرحلة الأولى
هذه الوقائع تتقاطع مع ما أعلنته قيادة الجيش في بيانها الأخير الذي أكد إنجاز المرحلة الأولى، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى استمرار العمل لمعالجة الأنفاق والذخائر غير المنفجرة واستكمال طلبات اتخاذ الإجراءات (RFAs)، تمهيداً لتثبيت السيطرة ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية للجماعات المسلحة.

ولم يخفِ البيان حجم التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية، وفي مقدمها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من المواقع داخل الأراضي اللبنانية، وإقامة مناطق عازلة، والخروق المتكررة لاتفاق وقف الأعمال العدائية، إضافة إلى تأخر وصول القدرات العسكرية الموعودة للجيش، وهي عوامل اعتبرتها القيادة مؤثرة مباشرة في وتيرة تنفيذ المهمات واستكمال بسط سلطة الدولة.

من هنا، تبدو الإشارة التي أطلقها رئيس الحكومة إلى "تحديث الخطة" مرتبطة بواقع ميداني وسياسي مختلف جذرياً عن ذلك الذي وُضعت فيه النسخة الأولى. فالمطلوب اليوم ليس تعديل بعض التفاصيل، بل إعادة مواءمة الخطة مع الوقائع الجديدة التي فرضتها الحرب، والاحتلال الإسرائيلي، ونتائج المرحلة الأولى من الانتشار العسكري، فضلاً عن المتغيرات السياسية التي شهدها لبنان خلال الأشهر الأخيرة.

إعادة تقييم الأولويات
بحسب مصادر خاصة لـ"النهار"، فإن مجلس الوزراء لم يطلب حتى الآن رسمياً من قيادة الجيش تحديث الخطة، إلا أن المؤسسة العسكرية تواصل العمل على مراجعتها وتطويرها بما يواكب المستجدات الميدانية والسياسية، انطلاقاً من تقييمها المستمر للمرحلة الأولى من التنفيذ.

وتؤكد المصادر أن هذا العمل لا يقتصر على إدخال تعديلات تقنية، بل يشمل إعادة تقييم الأولويات، ومراحل التنفيذ، والقدرات المطلوبة، والآليات العملانية، في ضوء الدروس التي أفرزتها الأشهر الماضية، سواء لجهة التطورات العسكرية في الجنوب، أو المعطيات التي كشفتها العمليات الميدانية، أو المتطلبات الجديدة التي فرضها الواقع السياسي والأمني.

وتضيف أن النسخة المحدثة ستُعرض فور استكمالها على مجلس الوزراء، ليعود القرار السياسي إلى السلطة التنفيذية في إقرارها وتحديد آليات تنفيذها، باعتبار أن حصر السلاح يبقى قراراً سيادياً للدولة، فيما تتولى المؤسسة العسكرية وضع الخطط التنفيذية الكفيلة بتحقيقه.

وعليه، فإن كلام نواف سلام لا يعكس فقط الحاجة إلى تحديث وثيقة عسكرية، بل يؤشر لانتقال ملف حصر السلاح إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستفادة من التجربة الميدانية وإعادة صياغة آليات التنفيذ على أساس الوقائع التي فرضتها الأشهر الماضية. فالتحدي لم يعد في إعداد خطة، بل في وضع خطة قابلة للتطبيق في واقع لبناني تبدّل جذرياً، سياسياً وعسكرياً، منذ لحظة ولادتها.