"لواء الجنوب" يشعل معركة الأسماء.. صراع لبناني إسرائيلي على جيش ما بعد اليونيفيل

عاد بقوة إلى دوائر القرار اللبنانية البحث في تشكيل لواء خاص من الجيش يتولى مهمات أساسية في الجنوب، مع اقتراب نهاية مهمة قوات "اليونيفيل"، بعدما بات واضحاً أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تريدان تمديد مهمتها، فيما بدأت المعركة على شكل القوة التي ستملأ الفراغ تتجاوز عديد الجيش وتسليحه وانتشاره إلى سؤال أكثر حساسية: من هم الضباط والعسكريون الذين سيُسمح لهم بالعمل هناك؟

وتكشف معلومات حصل عليها "إرم نيوز" من مصدر أمني لبناني أن التصور الجاري بحثه يقوم على تشكيل لواء جديد من ضباط وعناصر الجيش اللبناني، وليس مجرد إعادة تكليف أحد الألوية الموجودة، ليكون جزءاً أساسياً من الترتيبات الأمنية في الجنوب بعد انتهاء عمليات "اليونيفيل".

وبحسب المصدر، نقل الأمريكيون إلى الجانب اللبناني "ملاحظات" إسرائيلية تتعلق بتركيبة الوحدات التي تعمل أو ستعمل في الجنوب، بينها اعتراضات على ضباط محددين تزعم إسرائيل أن لديهم علاقات بحزب الله، أو أنهم يتأثرون بالبيئة السياسية والاجتماعية المحيطة بالحزب.

وقال المصدر إن المسألة وصلت إلى حد وجود أسماء ضباط بعينهم لا تريد إسرائيل تكليفهم بمهمات في الجنوب، فيما ترفض قيادة الجيش اللبناني حتى الآن تحويل تلك الملاحظات إلى شروط ملزمة في عملية تشكيل الوحدات أو اختيار ضباطها. 

من الانتشار إلى أسماء الضباط

تكتسب هذه المعلومات أهميتها؛ لأنها تشير إلى تحول في طبيعة المطالب الإسرائيلية. فبعدما كان الخلاف يدور حول انتشار الجيش ومناطق دخوله وقدرته على تفتيش المواقع وضبط السلاح، باتت تل أبيب تحاول توسيع مجال تدخلها ليصل إلى البنية البشرية للمؤسسة العسكرية نفسها.

ويقول المصدر إن الطرح الإسرائيلي يتضمن عملياً تقييماً للضباط والعسكريين انطلاقاً من مناطقهم وبيئاتهم وعلاقاتهم المفترضة، وهو أمر ترفضه قيادة الجيش خشية أن يتحول إلى فرز طائفي داخل مؤسسة تقوم بنيتها أساساً على توازن لبناني دقيق.

ولا يعني موقف الجيش، بحسب المصدر، تجاهل أي معلومات أمنية موثقة عن علاقة عسكريين بحزب الله، وإنما رفض منح إسرائيل حق تقرير من يخدم داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية ومن يقود وحداتها.

وفي مايو/أيار الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على رئيس فرع الضاحية في مخابرات الجيش العقيد سمير حمادي، متهمة إياه بتقديم معلومات مهمة إلى حزب الله خلال الحرب، كما شملت العقوبات العميد خطار ناصر الدين في الأمن العام. وهي اتهامات أمريكية لا تعني أن واشنطن أثبتت وجود ولاء مؤسسي للحزب داخل الجيش، لكنها رفعت حساسية ملف الضباط الذين تشتبه بعلاقتهم به إلى مستوى غير مسبوق.

دير ميماس.. اسم الضابط يصبح قضية

وأعادت حادثة دير ميماس الأخيرة القضية إلى الواجهة بصورة أكثر وضوحاً. فالجيش اللبناني أكد أنه أنشأ في 10 سبتمبر/أيلول نقطة مراقبة مؤقتة في أطراف البلدة بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان "MCG4L"، قبل أن تقترب قوة إسرائيلية منها في 18 سبتمبر وتلقي قنابل صوتية، ليرسل الجيش تعزيزات إلى الموقع. وانتهى الاستنفار بانسحاب القوة الإسرائيلية عقب اتصالات أجرتها المجموعة نفسها.

لكن الجدل الإسرائيلي الذي أعقب الحادث لم يتوقف عند قرار إنشاء النقطة أو حدود عمل الجيش. فقد نشر مركز "ألما" الإسرائيلي، في 22 سبتمبر/أيلول، تقريراً سمّى فيه الضابط محمد نبيه ناصر الدين من اللواء السابع، وأبرز بصورة صريحة كونه شيعياً ومن منطقة الهرمل، ثم ربط هويته المذهبية بتقييم سلوك القوة اللبنانية وطرح تساؤلاً عما إذا كان الحادث سيقع لو لم يكن قائد القوة ضابطاً شيعياً.

وذهب التقرير إلى الادعاء بأن حزب الله يستفيد من ضباط شيعة داخل الجيش لتحقيق مصالحه. وهي اتهامات إسرائيلية لم يقدم التقرير دليلاً علنياً يثبتها.

ويكشف هذا الطرح جانباً من المشكلة التي تواجهها قيادة الجيش اللبناني، عبر مواجهة محاولات حزب الله الاحتفاظ بمساحات نفوذ داخل الدولة من جهة، ومنع إسرائيل من استخدام هذا الملف مدخلاً لتصنيف العسكريين اللبنانيين وفق طوائفهم ومناطقهم من جهة أخرى.

جيش ما بعد اليونيفيل

وتزداد حساسية الملف مع اقتراب نهاية مهمة "اليونيفيل". فقرار مجلس الأمن ينص على انتهاء عمليات القوة في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026 وبدء انسحاب منظم بعدها، بهدف أن تصبح الدولة اللبنانية المسؤول الوحيد عن الأمن في الجنوب.

وبينما حاول لبنان وفرنسا إبقاء خيارات التمديد أو الحضور الدولي مطروحة، تشير المعطيات الدبلوماسية الأخيرة إلى غياب موافقة أمريكية وإسرائيلية على استمرار "اليونيفيل"، بالتزامن مع بحث ترتيبات دولية بديلة تركز بصورة أكبر على دعم الجيش اللبناني بالتدريب والتجهيز والاستخبارات.

وهنا يتحول تشكيل اللواء الجديد من شأن عسكري داخلي إلى جزء من معركة أوسع على شكل جنوب لبنان بعد "اليونيفيل". فالولايات المتحدة أصبحت لاعباً مباشراً في التنسيق الميداني عبر "MCG4L"، التي يرأسها الجنرال الأمريكي جوزيف كليرفيلد، والتقى الأخير قائد الجيش العماد رودولف هيكل في أغسطس/آب لبحث ترتيبات الجنوب والمهمات التي ينفذها الجيش.

تحت الاختبار 

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي محمد يوسف النور أن المشكلة الأساسية تكمن في ضرورة الفصل بين حق الدولة في تدقيق أوضاع أفراد مؤسساتها العسكرية والأمنية، وبين السماح لدولة أخرى بالتدخل في تركيبة جيش وطني.

ويقول النور لـ"إرم نيوز" إن "الجيش اللبناني لا يستطيع القبول بمنطق تصنيف ضباطه وفق الطائفة أو المنطقة؛ لأن ذلك يضرب المؤسسة من الداخل ويحولها من جيش وطني إلى وحدات تخضع لشهادات حسن سلوك خارجية. وإذا كانت هناك معلومات موثقة عن ضابط يعمل لمصلحة حزب الله أو أي تنظيم آخر، فهذه قضية أمنية يجب أن تحقق فيها الدولة اللبنانية وفق آلياتها، وليس أساساً لإدانة طائفة كاملة أو استبعاد ضباط بسبب هويتهم".

ويضيف أن "المشكلة أن حزب الله، عبر سنوات من بناء منظومة عسكرية موازية ومحاولة مد نفوذه داخل مؤسسات الدولة، منح إسرائيل الذريعة التي تستخدمها اليوم لتجاوز حدودها. ولذلك فإن حماية الجيش تتطلب تحرير مؤسسات الدولة من أي ولاء تنظيمي، وفي الوقت نفسه رفض أن تصبح إسرائيل الجهة التي تختار للبنان ضباطه أو تحدد له من يستطيع الانتشار على أرضه". 

من هنا، تبدو معركة اللواء الجديد، إن أبصر النور، أبعد من مجرد تشكيل عسكري إضافي. فالاختبار أمام بيروت سيكون في بناء قوة قادرة على فرض سلطة الدولة ومنع حزب الله من الاحتفاظ بنفوذ عسكري موازٍ في الجنوب، من دون السماح في المقابل بأن يتحول إنهاء هذا النفوذ إلى باب تدخل إسرائيلي في هوية الجيش اللبناني وبنيته وقرارات قيادته.