المصدر: Independent Diaspora
الكاتب: الياس كساب
السبت 31 تشرين الأول 2026 11:03:28
رحلتَ عزيزي دونَ استئذان، وكلماتُكَ الأخيرةُ لي، الغاضِبةُ أكثر مِمّا هي مُتشائمةٌ عن لبنان، يَصُمُّ وقعُها كِياني، فهو وقعُ البابِ، بابِ الحياةِ الذي أغلقتَ، وبِقوّةٍ خلفَكَ، لأنَّ قلبكَ الكبير، وفكركَ الصادق، لم يحتملا سقوطَ أحلامِ جيلِنا الذي أهرقَ الفكرَ، والنضالَ، والدماءَ على مذبحِ الوطن، ليرى الخُنوعَ شطارةً، والكذِبَ دهاءً، والاستسلامَ تُغلِّفُهُ شِعاراتُ المجدِ الماضي، وأجيالاً تتحوّلُ أرقاماً، لا كما أردتَها، وأقرانَكَ، فكراً ينمو، يُشذِّبُ السياسةَ بالنقدِ البنّاء، ويقولُ الحقيقةَ، مهما كانت صعبة، وحيثُ الفرادةُ أبعد من الفرديّة، وحيثُ “الأنا” المُشعّة تتجاوزُ الأنانية..
رحلتَ مُتألِّماً، لا لِجنى عُمرٍ سُرِق، بل لآمالٍ سَحَلتها العبثِيّة، ولِمُجتمعٍ يتطلّع إلى اللا أُفُق، ويظنُّ أنّه اهتدى، وهو يدور حولَ نفسِهِ دونَ أن يُدرِكَ أنّه خَسِرَ نفسَه..
رحلتَ، والرحيلُ موقِف، كـ”الضميريّة” تَهُزُّ لا مُبالاتِنا، وبلادَتَنا، وعُكوفَنا، واستِسلامَنا، وتطرح أمامَ عُيونِنا السؤالَ الكبير الذي طرحتَهُ دائماً: إلى أين؟
عزيزي لويس
يافِعاً كنتُ يومَ التقيتُكَ، فارتحتُ لطيبتِكَ، لروحِكَ الدمِثة، لفلسفَتِكَ المُبَسّطة للحياةِ وللوطن، “عمّدتني” مُناضِلاً، وما زلتُ أحمِلُ في حنايايَ من لدُنِكَ، وتكوكبتُ وأقراني حولَكَ نحمِلُ نفحةَ التغيير، وحلمنا بثورةٍ بطيئة Révolution lente من داخلِ المؤسّسات الحزبيّة، تنعكس على النضال الوطني من أجل العدالةِ الاجتماعيّة، وتكافؤ الفُرَص، فسابقتنا الحربُ، نحن الذين كُنّا ضِدَّ “العسكرِتاريا”، فبتنا عصباً لاستعادةِ السيادة نرفُدُها بشلّالٍ من الدماء، قبل أن نكتشِف، متأخرين، أنّنا أصبحنا وُقوداً..
منَ الصُعوبَةِ بمكان، يا عزيزي لويس، أن نرى تضحياتِنا تُسفَكُ، ونضالَنا يُسرَق، وأن تعُمَّ السخافةُ الحياةَ العامَّةَ، وأن يستحيلَ الفكرُ مطِيَّةً للدكتاتوريّة أحياناً، في وطنٍ ثروتُهُ الوحيدةُ ثقافتُه..
بِحُزنٍ عميقٍ أُحيّي رحيلَكَ، فلا مكانَ لِلصِدقِ في بلادي!
أيها الراحل العزيز، يا شِلحَ أرزٍ سيبقى مزروعاً تحت صنوبرات بكاسين وعبَقِها المنثور في الودايا، لكَ مِنّا ألفُ تحيّة، ولناديا، وهالة، وندى وسامي، ألفُ ألفُ وردة، يا من أزهر في حياتِنا وأثمر!