المصدر: نداء الوطن
الكاتب: عباس هدلا
الثلاثاء 19 أيار 2026 06:43:46
فجر الثاني من آذار 2026، قرّرت جماعة «حزب الله» عن سابق تصوّر وتصميم، وعلى سجيّة «نكبة تموز 2006»، وبعد سيل من التطمينات الكاذبة للحكومة والحكم، إدخال لبنان في آتون الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأميركية، وإعلان النكبة الثانية للشيعة في لبنان خلال عامين، فبعد واقعة «أولي البأس» ونكبة الإسناد عام 2024، والتي أودت بنحو 4500 ضحية و16000 جريح، وتدمير شبه كلّي لقرى ما يُعرف بالحافة الأمامية الممتدة من الناقورة إلى شبعا، وتدمير نحو 240 ألف وحدة سكنية في المناطق اللبنانية، وخسائر قدّرها البنك الدولي بـ14 مليار دولار، وتشريد مئات الألاف من العائلات، وقبل لملمة الجراح، افتتح حزب الله نكبة 2026 بتشريد مئات الألوف من اللبنانيين الشيعة في المدارس والطرقات، وإفراغ مناطق تمتد من الجنوب إلى البقاع وصولًا إلى ساحل المتن الجنوبي، الضاحية الجنوبية، محقّقًا نكبتين للشيعة خلال سنتين، وهو ما لم يتعرّض له الشيعة اللبنانيون في تاريخهم القديم والحديث.
الشيعة والكيان اللبناني
لا شك في أن ما يروج من ربط لكل الطائفة الشيعية بالثنائي، ولاسيما "حزب الله" هو من السرديات غير المتوافقة مع التاريخ والمنطق، فاللبنانيون الشيعة خرجوا مع إعلان دولة لبنان الكبير من الإنكار والتهميش، وأنهوا عقودًا من الاضطهاد والإلغاء خلال العهدين المملوكي والعثماني، ودخلوا إلى الكيان اللبناني طائفةً مكوّنةً لهذا الكيان ومعترفًا بها، لها حقوقها وعليها واجباتها. وخلال خمسين عامًا، مارس المواطنون الشيعة المواطنة الكاملة وانخرطوا في الوطن اللبناني سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتربويًا وثقافيًا، فنهض بهم لبنان ونهضوا به.
المؤامرة الإيرانية الأسدية العرفاتية على اللبنانيين الشيعة: دخول عصر «الولاية»
شهد عام 1978 حدثين، الأول الاجتياح الإسرائيلي في آذار، والثاني اختفاء السيد موسى الصدر في أواخر آب، فتعرّضت الساحة الشيعية اللبنانية لخضّة كبيرة، بعدما كان السيد موسى الصدر قد أضحى رمزًا دينيًا للطائفة الشيعية في لبنان، ونهجًا سياسيًا منخرطًا في مختلف نواحي الواقع اللبناني والحرب الأهلية التي اندلعت في نيسان 1975. وبعد أقل من عام، حصل الحدث الذي قلب الموازين في العالم، وأثّر مباشرة في لبنان، وهو انتصار الثورة الإسلامية في إيران في شباط 1979. لم يمر عام على انتصار هذه الثورة، حتى كانت طلائعها قد أضحت في لبنان مع دخول المتطوعين الإيرانيين في 1 كانون الثاني 1980 إلى لبنان، بتسهيل من نظام الأسد ودعم عرفاتي. وأكد قائد الحملة الشيخ محمد منتظري، في مؤتمر صحافي عقده في مسجد جامعة بيروت العربية، بحماية منظمة التحرير الفلسطينية و"حركة فتح"، أن «خطّتنا هي إرسال الألاف تلو الألاف من المتطّوعين للانضمام إلى أولئك الذين وصلوا». وأكد أنَّه دخل لبنان من طريق سوريا، وأنَّه وجماعته لا يعترفون بقرار الحكومة القاضي بمنعهم. سبق ذلك إعلان «منظمة جماهير الثورة الإسلامية في إيران» في 4 كانون الأول 1979 أن مجموعة تضم ألف مقاتل ستغادر إيران إلى لبنان، بناءً على إرشادات آية الله الخميني، قابله موقف من نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بعد ترؤسه اجتماعًا علمائيًا شيعيًا في 6 كانون الأول، اعتبر أن إرسال المتطوعين يخلق أوضاعًا خطرة، وأن الجنوب بحاجة إلى عمل سياسي وليس إلى متطوعين. كما طلب بيان صدر في 2 كانون الثاني 1980 من "الشباب الشيعي في لبنان" من رئيس المجلس النيابي آنذاك كامل الأسعد، وضع رئيس البلاد أمام مسؤولياته الوطنية، وطالب بإصدار الأمر إلى الجيش بإبعاد كل أجنبي عن لبنان "وإلا سيشهد حربًا أهلية لم يعرفها في تاريخه".
رفض اللبنانيون الشيعة مشروع الثورة، لكن قوى الأمر الواقع السورية والفلسطينية، وبالتوافق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية الفتية، أوجدت واقعًا في لبنان، ما لبث أن تمدّد بقاعًا، فسيطر "حزب الله" على إدارات الدولة الرسمية هناك. ففي 3 أيلول 1983، وبدعم من الحرس الثوري الإيراني، أقدمت مجموعة كبيرة من المسلّحين بقيادة السيد عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لـ"حزب اللّه"، على احتلال سيّار الدرك في بعلبك، وثكنة الشيخ عبد اللّه، وإطلاق اسم "ثكنة حزب اللّه – الإمام الخميني" عليها. تلا ذلك إطلاق "حزب الله" رسالته إلى المستضعفين في 16 شباط 1985 في حسينية الشياح، والتي ذُيِّلت بتوقيع "أمة حزب الله"، حيث أعلن صراحة: "إننا أبناء أمة حزب الله" التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم... نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط".
تلزيم الشيعة اللبنانيين للثنائي برعاية أسدية إيرانية
مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد اتفاق "الطائف" عام 1990، قامت سلطة الاحتلال الأسدي، بدعم إيراني، بإقصاء كل القيادات السياسية الوطنية التاريخية الشيعية، وتلزيم القرار السياسي في الطائفة للثنائي المتمثل بـ"حركة أمل" و"حزب الله"، واستُكمل ذلك دينيًا عام 2001 مع وفاة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وعام 2007 مع إقصاء مفتي صور وجبل عامل السيد علي الأمين عن منصبه وتهجيره.
اللبنانيون الشيعة في الحضن الإيراني
مع صدور القرار 1559 في مجلس الأمن، والتمديد للرئيس إميل لحود، واغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005، انسحب الجيش الأسدي من لبنان في 28 نيسان 2005. ومع انحسار الدور الأسدي، تمدّد الدور الإيراني ليقبض بشكل مطلق على القرار الشيعي في لبنان، ويتمدد إلى القرار اللبناني العام، وأضحى اللبنانيون الشيعة أسرى التوجهات والرؤيا الإيرانية العامة. وخلال تلك الفترة، بسط "حزب الله" سيطرته وهيمنته على الواقع السياسي اللبناني، واستطاع، بأسلوب التعطيل والترهيب، السيطرة على القرار اللبناني العام مع حلفائه، واستمر في محاولاته الدائمة للسيطرة حتى انطلاق ما عُرف بـ"طوفان الأقصى" ومعركة الإسناد، والتي وُقِّع في نهايتها اتفاق وقف إطلاق النار في 26 تشرين الثاني 2024، والذي كان من مفاعيله تراخي القبضة الإيرانية على لبنان، واستطاع اللبنانيون أخيرًا الوصول إلى رئيس جمهورية وحكومة، لا تأثير كبيرًا لـ "حزب الله" عليهما.
بالأرقام "حزب الله" ليس كل الشيعة
في انتخابات 2022، سيطر "الثنائي" على المقاعد الشيعية بشكل واضح وحاسم، وحصل نواب "حزب الله"، وفق ماكينته الانتخابية، على 344882 صوتًا، بفارق أكثر من مئة وخمسين ألف صوت عن نواب "أمل" الذين حصدوا 190663 صوتًا، متسيدًا الساحة السياسية الشيعية كصاحب أغلبية شعبية مطلقة، في ظل تراجع شعبية "حركة أمل" أمامه، ما يعني أن مرشحي الثنائي حصدوا 551434 صوتًا من مجموع الناخبين الشيعة البالغ نحو 1,163,256 ناخبًا، ما نسبته 47.4% من الناخبين.
وإذا ما حسبنا الأصوات التي حصل عليها "حزب الله" مقارنة بعدد الناخبين، يبلغ 29.6%.
وبالتالي فإن "حزب الله"، في أوج قوته العسكرية والأمنية عام 2022، بالإضافة إلى تسخير مختلف الإدارات والمؤسسات اللبنانية في خدمته، وبالإضافة إلى تلزيم السلطة اللبنانية مؤسسات الدولة بمختلف أنواعها له و لـ "حركة أمل" في المناطق الشيعية، حصل على ما يقارب 30% من أصوات الناخبين الشيعة، فكيف إذا ما تم حجب تلك الامتيازات عنه؟
كم ستبلغ قوته آنذاك؟
وبالتالي فإن "حزب الله"، في أوج قوته يشكل 30% من أصوات الناخبين الشيعة، فكيف يحق له جرّ تلك الطائفة إلى أتون الصراعات الدولية والإقليمية؟ وإلى متى ستبقى السلطة اللبنانية منكفئة عن حماية مواطنيها اللبنانيين الشيعة وتستمر في تلزيمهم لقوى الأمر الواقع؟ ألم يحن الوقت أن تعود الدولة إلى مواطنيها ليعودوا إليها؟