ليس كل من حمل ميكروفوناً أصبح وصياً على الوطن... وليس كل من يصرخ باسم "المقاومة" يملك حق تهديد الدولة واللبنانيين


ليس كل من حمل ميكروفوناً أصبح وصياً على الوطن... وليس كل من يصرخ باسم "المقاومة" يملك حق تهديد الدولة واللبنانيين


لم يعد الصمت فضيلة.

فحين يتحول منبر إعلامي إلى مساحة مفتوحة للشتائم والتخوين والتلويح بالتهديد واستهداف رؤساء الدولة والقيادات السياسية والمناطق اللبنانية، يصبح السكوت تواطؤاً، ويغدو التغاضي الرسمي تشجيعاً غير مباشر على الانحدار نحو الفوضى.

في الأسابيع الأخيرة، لم يكتفِ الإعلامي إسماعيل نجّار بممارسة حقه في إبداء الرأي، بل تجاوز ــ وفق ما يظهر في تصريحاته المتداولة ــ حدود النقد السياسي إلى خطاب تصعيدي يستهدف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، ورئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل، وصولاً إلى الإساءة لأهالي بكفيا، في مشهد يعكس انحداراً خطيراً في مستوى الخطاب الإعلامي.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس اختلاف الآراء، بل تطبيع لغة التهديد والكراهية حتى تصبح جزءاً من الحياة السياسية اليومية.
من نصّب إسماعيل نجّار قاضياً وجلاداً؟

من منحه حق توزيع شهادات الوطنية؟
ومن خوّله إصدار أحكام الإدانة بحق خصومه السياسيين؟
ومن جعله يتحدث وكأن الدولة ومؤسساتها لا قيمة لها، وأن الحقيقة المطلقة تسكن في استوديو تلفزيوني؟

في دولة تحترم نفسها، لا يملك إعلامي، مهما علا صوته، أن يحاكم الناس عبر الشاشات، أو أن يصنّفهم بين وطني وخائن، أو أن يحوّل الاختلاف السياسي إلى قضية وجودية تستدعي التحريض والتجييش.

فهذا ليس إعلاماً، بل مصادرة لدور القضاء، واعتداء على أبسط قواعد الدولة المدنية.
الوطنية ليست احتكاراً... ولا تُقاس بالولاء للمحاور

لقد سئم اللبنانيون من تجار الوطنية الذين يحتكرون حب الوطن لأنفسهم، ويعتبرون كل من يخالفهم الرأي عميلاً أو متآمراً.

الوطنية ليست شعاراً يُرفع عندما يخدم مشروعاً سياسياً، ثم يُسقط عندما يتعلق الأمر بسيادة الدولة أو احترام مؤسساتها.

الوطنية ليست أن تهاجم رئيس الجمهورية لأنه لا ينسجم مع خياراتك.
وليست أن تتطاول على رئيس الحكومة لأنه يرفض منطق الدويلة.
وليست أن تحرّض على أحزاب لبنانية شرعية لأنها تتبنى مشروع الدولة.

الوطنية الحقيقية هي احترام الدستور، والاحتكام إلى القانون، والإيمان بأن السلاح الوحيد الذي يجب أن يحكم اللبنانيين هو سلطة الدولة.
التحريض ليس رأياً... والكراهية ليست حرية

حرية التعبير لا تعني حرية التحريض.
والنقد لا يعني الترهيب.
والرأي لا يتحول إلى حصانة تمنع المساءلة.

فعندما تتكرر لغة التخوين، وتتوسع دائرة الاستهداف لتشمل رؤساء الدولة والأحزاب والمناطق، يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا:

أين المجلس الوطني للإعلام؟
أين النيابات العامة؟
وأين الدولة التي يفترض أنها تحمي السلم الأهلي من كل خطاب قد يهدده؟

إن الدولة التي تتهاون مع التحريض، تفتح الباب أمام الفوضى.
والدولة التي تساوي بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، تفقد هيبتها قبل أن تفقد قدرتها على حماية مجتمعها.
القانون يجب أن يكون سيد الجميع

لا أحد يطالب بمحاكمة إسماعيل نجّار بسبب رأيه السياسي.
لكن إذا تضمنت تصريحاته ما قد يشكل، في نظر القضاء، شبهة تحريض أو تهديد أو إثارة للنعرات أو مخالفة للقوانين اللبنانية، فإن الواجب الوطني يقتضي فتح تحقيق قضائي شفاف، والاستماع إليه، وترك الكلمة الأخيرة للقضاء وحده.

فالدولة لا تُبنى على الانتقائية.
ومن يطالب بتطبيق القانون على خصومه، عليه أن يقبل بالخضوع للقانون عندما يكون هو موضع مساءلة.
لبنان لا يحتاج إلى أبواق تؤجج الانقسام

لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة بسبب الخطابات التي قسمت المجتمع ومهّدت للصدامات.
واليوم، في ظل أزمة وطنية خانقة، يحتاج اللبنانيون إلى إعلام يجمع ولا يفرّق، يبني ولا يهدم، يزرع الثقة لا الأحقاد.
أما تحويل الشاشة إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية، واستدعاء العصبيات الطائفية والمناطقية، فهو خدمة مجانية لكل من يريد إسقاط ما تبقى من الدولة.
الرسالة الأخيرة

إلى إسماعيل نجّار نقول:

إن ارتفاع الصوت لا يصنع الحقيقة.
وإن كثرة الاتهامات لا تمنح صاحبها صفة الوطني.
وإن المنبر الإعلامي ليس حصناً يمنع المحاسبة.

أما إلى الدولة اللبنانية، فنقول:

إن حماية السلم الأهلي لا تكون بالبيانات، بل بتطبيق القانون.
ولا تسمحوا بأن تصبح الشاشات بديلاً عن المحاكم، ولا أن يتحول الإعلام إلى أداة ترهيب سياسي.

فالدولة التي لا تضع حداً لكل خطاب يُشتبه في تحريضه على الانقسام، تخاطر بأن تجد نفسها يوماً عاجزة عن إطفاء الحريق الذي بدأ بكلمة.

حافظوا على هيبة الدولة... فالكلمة المنفلتة قد تكون الشرارة الأولى، أما القانون فهو الجدار الأخير الذي يحمي لبنان.

بقلم: فرنسوا الجردي