ماذا تعني "خلية منع الاحتكاك" الخاصة بلبنان التي نشأت في مفاوضات سويسرا؟

لم يكن الإعلان عن إنشاء «خلية منع الاحتكاك» الخاصة بلبنان في ختام الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا مجرد تفصيل تقني في بيان دبلوماسي. ففي الواقع، قد تكون هذه العبارة القصيرة واحدة من أكثر النتائج أهمية في المحادثات الجارية، لأنها تكشف عن طبيعة المقاربة التي تحاول واشنطن وطهران اعتمادها لإدارة الأزمة اللبنانية.

فالبيان المشترك الصادر عن قطر وباكستان، اللتين ترعيان المفاوضات، تحدث عن إنشاء آلية تضم الولايات المتحدة وإيران والجمهورية اللبنانية بإشراف الوسطاء، بهدف ضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية في لبنان. لكن البيان لم يذكر إسرائيل أو «حزب الله»، رغم أن المواجهة الفعلية تدور بينهما.

وهذا وحده كافٍ لطرح سلسلة من الأسئلة: ما هي خلية منع الاحتكاك؟ ومن أين جاءت الفكرة؟ وهل هي مقدمة لحل سياسي أم مجرد وسيلة لمنع عودة الحرب؟

ليست اتفاق سلام

أول ما يجب توضيحه أن «خلية منع الاحتكاك» لا تعني التوصل إلى اتفاق سلام، ولا تمثل بحد ذاتها تسوية سياسية أو أمنية شاملة.

في القاموس العسكري والدبلوماسي، يشير مصطلح «منع الاحتكاك» إلى مجموعة آليات اتصال وتنسيق هدفها منع الحوادث الميدانية من التحول إلى مواجهات واسعة.

بمعنى آخر، إذا وقع إطلاق صواريخ أو غارة أو حادث حدودي أو أي تطور أمني مفاجئ، تتدخل هذه الآلية لمحاولة احتواء الموقف ومنع تدهوره إلى حرب شاملة.

لذلك يمكن النظر إلى هذه الخلية باعتبارها أداة لإدارة الصراع أكثر مما هي أداة لحله.

فكرة وُلدت في الحروب لا في مؤتمرات السلام

الفكرة ليست جديدة.

فخلال السنوات الماضية استخدمت القوى الكبرى آليات مشابهة في أكثر من ساحة صراع، وأبرزها سوريا.

بعد التدخل العسكري الروسي عام 2015، كانت القوات الروسية والأميركية تعمل في مناطق متقاربة داخل الأراضي السورية، فيما كانت إسرائيل تنفذ ضربات متكررة ضد أهداف مرتبطة بإيران.

وكان خطر وقوع اشتباك مباشر بين هذه القوى مرتفعاً للغاية.

لذلك أنشأت موسكو وواشنطن خطوط اتصال وغرف تنسيق عرفت باسم «آليات منع الاحتكاك»، هدفها منع وقوع صدام غير مقصود بين قوات الطرفين.

كما استخدمت روسيا وإسرائيل قنوات مشابهة لتجنب المواجهة المباشرة أثناء الغارات الإسرائيلية داخل سوريا.

ومن المرجح أن تكون خلية لبنان مستوحاة من هذه النماذج، مع تعديلها لتناسب الخصوصية اللبنانية.

لماذا ظهرت الآن؟

لأن لبنان أصبح أحد الملفات الأكثر حساسية في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية.

فالهدنة المعلنة بين إسرائيل و«حزب الله» بقيت هشة، فيما استمرت الخروقات والاشتباكات المحدودة والتهديدات المتبادلة.

وأدركت واشنطن أن أي تفاهم أوسع مع إيران قد ينهار إذا انفجرت الجبهة اللبنانية مجدداً.

في المقابل، تدرك طهران أن أي تسوية إقليمية لن تكون مستقرة إذا بقي خطر الحرب قائماً على حدود لبنان الجنوبية.

ومن هنا جاءت الحاجة إلى آلية دائمة لإدارة التوترات الميدانية ومنعها من نسف المسار السياسي.

ما الوظائف المحتملة للخلية؟

لا تزال التفاصيل العملية غير معلنة، لكن التجارب المشابهة تسمح بتوقع عدد من المهام الأساسية.

أولاً، متابعة تنفيذ وقف العمليات العسكرية ورصد الخروقات المحتملة.

ثانياً، توفير قناة اتصال سريعة بين الأطراف المعنية في حال وقوع حادث أمني خطير.

ثالثاً، منع سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود.

رابعاً، توفير غطاء أمني يسمح باستمرار المفاوضات السياسية بالتوازي مع الحفاظ على الهدوء الميداني.

وبذلك تصبح الخلية بمثابة غرفة لإدارة الأزمات أكثر منها هيئة تفاوضية.

مقدمة للحل أم لإدارة الأزمة؟

يبقى السؤال الأهم: هل تمثل خلية منع الاحتكاك خطوة أولى نحو تسوية أوسع؟

الجواب لا يزال غير محسوم.

ففي أفضل السيناريوهات، يمكن أن تتحول هذه الآلية إلى منصة تمهد لبحث ملفات أكبر، مثل مستقبل الجنوب اللبناني، وانتشار الجيش، وإعادة الإعمار، والترتيبات الأمنية طويلة الأمد.

أما في السيناريو الأكثر تحفظاً، فقد تبقى مجرد وسيلة لإدارة التوتر ومنع اندلاع حرب جديدة من دون معالجة جذور الأزمة.

لكن ما يبدو مؤكداً أن إنشاء هذه الخلية يعكس حقيقة جديدة: الملف اللبناني لم يعد يُناقش فقط في بيروت أو على الحدود الجنوبية، بل أصبح جزءاً مباشراً من التفاوض الأميركي ـ الإيراني حول شكل التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب.

ولهذا السبب تحديداً، قد تكون «خلية منع الاحتكاك» أكثر من مجرد آلية أمنية. فقد تكون أول مؤسسة سياسية ـ أمنية تولد من رحم التفاهمات الجديدة حول لبنان، وأول مؤشر عملي إلى أن مستقبل البلاد بات يُبحث على أكثر من طاولة في وقت واحد.