ما الذي قصده عون بـ"المغامرة" و"تنظيف" الجنوب؟

لم يكن حديث رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في لبنان مجرد خطاب عابر، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي واضح المعالم يرسم ملامح السنة الثانية من العهد، مع ما تحمله من أولويات سيادية ورسائل داخلية وخارجية في آن واحد، خصوصًا عندما تطرق بلهجة حازمة إلى ملف حصرية السلاح، واصفًا الانخراط في ما عُرف بحرب إسناد غزة بـ"المغامرة" من دون أن يسمي الجهة المعنية مباشرة.

مصدر سياسي بارز رأى في هذا الموقف تثبيتًا لمسار لم يحِد عنه الرئيس منذ خطابه الأول في الذكرى السنوية لانتخابه، على الرغم من الحملة العنيفة التي شنها "حزب الله"، والتي راهن من خلالها على أن رئيس الجمهورية سيعيد حساباته ويخفف لهجته ويفتح قنوات مراجعة مع الحزب، غير أن مواقف عون الأخيرة، ولا سيما أمام السلك الدبلوماسي، جاءت لتؤكد العكس تمامًا، إذ بدا متمسكًا بخياراته، ماضيًا في الاتجاه ذاته، ومصممًا على ترجمة العناوين السيادية إلى وقائع سياسية وأمنية.

من توصيفه استلام دولة منهكة بعد عقود من الفراغات والتعطيل، إلى تأكيده حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، وصولًا إلى إعلانه سيطرة الجيش اللبناني على جنوب الليطاني، بدت الكلمة محكومة بسقف سياسي واضح، إلا أن اللافت، وفق المصدر نفسه، كان استخدامه مصطلح "تنظيف" مساحات واسعة من أسلحة الميليشيات، وهي العبارة التي أثارت امتعاض الحزب وحملته السياسية والإعلامية ، ليس فقط لما تحمله من دلالة أمنية، بل لما تختزنه من موقف سيادي صريح يرفض الأمر الواقع القائم منذ سنوات.

الأكثر دلالة، وفق القراءة السياسية، هو رفض رئيس الجمهورية الزج بلبنان في قرارات انتحارية، في إشارة مباشرة إلى ما حصل في الثامن من تشرين الأول 2023، حين جرى إدخال البلاد في حرب إسناد من دون أي اعتبار لموازين القوى أو للكلفة الوطنية، فيما لا يزال الحزب يدافع عن خياره بدل الإقدام على مراجعة نقدية فكرية وسياسية لما ارتكبه بحق بيئته أولًا وبحق الدولة ككل، وهي سياسات أدت بحسب المصدر، إلى "نحر" الحزب سياسيًا وعزلت لبنان عربيًا ودوليًا.

هذا النمط من القرارات، كما يلفت المصدر، ليس جديدًا، إذ سبق أن وُصف في حرب تموز 2006 بـ"المغامرة الانتحارية"، سواء على لسان الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز أو رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، ما يعيد طرح الإشكالية الجوهرية نفسها، والمتمثلة في استحالة أن تتخذ ميليشيا مرتبطة بأجندة خارجية قرار حرب، وتجر معها شعبًا كاملًا إلى المجهول، من دون أي تفويض أو غطاء وطني.

من هنا، يخلص المصدر عبر kataeb.org إلى أن توصيف الرئيس عون كان في مكانه، سواء باستخدامه مصطلح "المغامرة" أو "التنظيف"، لأن المقصود ليس استهداف فئة بعينها، بل حماية الحدود، واستعادة القرار السيادي، وإعادة لبنان إلى حضنه العربي والدولي بعد سنوات من إلحاقه بمحور إقليمي، فبسط سلطة الدولة يبقى الأساس، ولا يمكن تحقيقه ما دامت الأسلحة غير الشرعية منتشرة، لا في جنوب الليطاني فحسب، بل على كامل الأراضي اللبنانية.