ما بعد النزوح: "رنا" تروي كيف انهار الحب بصمت

في شقة مستأجرة في صيدا، لم تعد الطاولة الخشبية الصغيرة مجرّد قطعة أثاث. عليها تتكدّس أطباق الطعام، دفاتر المدرسة، وفواتير مؤجلة، بينما يتحوّل كل حديث عائلي إلى نقاش ينتهي غالبًا بالصمت. حولها تجلس رنا (اسم مستعار) مع طفليها، فيما ينسحب زوجها إلى زاوية الغرفة.

قبل أقل من عام، كانت هذه العائلة تعيش في منزلها في إحدى قرى الجنوب، تخطط لتجديد المطبخ وتبحث عن مدرسة أفضل لابنها الأكبر. اليوم تقول رنا لـ "نداء الوطن" بنبرة هادئة تخفي إرهاقًا عميقًا: "لم نختلف بسبب شيء واحد… بل لأن الحياة نفسها أصبحت لا تُحتمل".

في لبنان، حيث تُقاس آثار الحرب غالبًا بعدد الضحايا أو حجم الدمار، تتشكّل خسارة أخرى أقل وضوحًا وأكثر تعقيدًا: تفكّك العلاقات داخل البيوت. فالتصعيد الأمني المتكرر، المتداخل مع أزمة اقتصادية مستمرة منذ عام 2019، لم يكتفِ بإضعاف القدرة المعيشية، بل أعاد تشكيل العلاقات الإنسانية نفسها تحت ضغط يومي متراكم يتجاوز قدرة الأفراد على الاحتمال.

حين يتحوّل النزوح إلى طلاق

تروي رنا أن لحظة النزوح كانت أسرع مما يمكن استيعابه: "أخذنا بعض الملابس وخرجنا، كنا نظن أننا سنعود خلال أيام". لكن الأيام امتدت إلى أشهر، ومعها تغيّر كل شيء. في المسكن الجديد، لم يعد الصراع مع المكان فقط، بل مع تفاصيل الحياة اليومية نفسها: ضيق المساحة، تراكم الأعباء، وغياب الخصوصية.

تقول رنا إن العلاقة مع زوجها بدأت تتآكل تدريجيًا تحت هذا الضغط. لم يعد الخلاف حدثًا استثنائيًا، بل تحول إلى نمط يومي. "مصروف البيت، الضجيج، التعب… كل شيء كان يتحول إلى مواجهة"، "لم نعد نعرف كيف نتكلم من دون أن ينفجر كل شيء".

ومع مرور الوقت، لم يعد الصمت راحة، بل أصبح شكلا من أشكال الانفصال داخل البيت الواحد. أيام تمرّ بلا حوار حقيقي، ومسافة نفسية تتسع رغم ضيق المكان. وتصل رنا إلى لحظة الحسم: الطلاق. لكنها لا تصفه كصدمة مفاجئة، بل كنتيجة تراكم طويل. "لم يكن هناك انفجار واحد… كان هناك تعب طويل"، "وفي النهاية، أدركنا أننا لم نعد نستطيع الاستمرار".

 

تفكّك العلاقات تحت ضغط الصدمة المزمنة

لفهم هذا النمط، يوضح الاختصاصي في علم النفس الاجتماعي الدكتور سامر ضومط أن ما يجري في لبنان لا يمكن اعتباره خلافات عائلية متفرقة، بل حالة من الضغط النفسي والاجتماعي المزمن. ويقول لـ "نداء الوطن" إن هذا الوضع يُعرف بـ "الصدمة المزمنة"، حيث يعيش الأفراد داخل دورة مستمرة من الأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية دون أي مساحة حقيقية للتعافي.

ويشرح أن هذا النوع من الضغط يمنع الجهاز النفسي من استعادة توازنه: "عندما يعيش الإنسان في حالة ترقب دائم، تتراجع قدرته على التنظيم العاطفي تدريجيًا". ويضيف أن النتيجة هي "انهيار وظيفة العلاقة"، حيث لا تنتهي العلاقات فجأة، بل تفقد تدريجيًا دورها كمساحة دعم.

ويشير إلى حالة "الإنهاك العاطفي"، حيث يصبح الأفراد غير قادرين على الاستثمار في العلاقة رغم استمرارها شكليًا. "في هذه المرحلة، لا يعود هناك دعم متبادل، بل صراع بقاء نفسي يومي"، يقول.

الأرقام تؤكّد الإتجاه

وتكشف الأرقام حجم التحوّل، إذ سُجّل في لبنان نحو 8,800 حالة طلاق مقابل أكثر من 32 ألف زواج سنويًا، مع ارتفاع نسبة الطلاق إلى ما يفوق 26 % منذ عام 2019. كما ساهمت الهجرة الواسعة في تفكيك إضافي للعلاقات الاجتماعية والعائلية. 

تختم رنا بنظرة إلى صورة زفافها: "كنا نظن أن أصعب ما يمكن أن نواجهه هو الظروف… لكن لم نكن نعرف أنها قد تُبعدنا عن بعضنا".

في لبنان، لا تترك الحرب آثارها على الجدران فقط، بل على العلاقات داخلها أيضًا. وبينما يمكن إعادة بناء الحجر، تبقى العلاقات المتصدعة بصمت أكثر هشاشة، لأنها لا تترك ركامًا مرئيًا، بل فراغًا إنسانيًا ممتدًا يصعب ملؤه.