المصدر: إرم نيوز
الكاتب: سارة عبدالقادر
الجمعة 26 حزيران 2026 17:06:13
يشهد جنوبي لبنان مرحلة مفصلية مع اقتراب نهاية ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بحلول ديسمبر/كانون الأول المقبل، وذلك بعد القرار الذي اتُّخذ في أغسطس/آب عام 2025 تحت ضغط أمريكي - إسرائيلي.
والسؤال الذي يشغل العواصم الأوروبية الآن ليس هل تنسحب اليونيفيل؟ بل ماذا يأتي بعدها؟ وهل تستعد أوروبا لملء الفراغ المحتمل؟ أم أن المشهد الأمني في جنوبي لبنان يتجه نحو تعقيدات جديدة؟
مهمة من 1978 إلى ديسمبر 2026
أُنشئت اليونيفيل عام 1978 بعد الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وتوسّع دورها بعد حرب 2006، لتضم أكثر من عشرة آلاف جندي من 47 دولة.
وفي أغسطس/آب عام 2025، صوّت مجلس الأمن بالإجماع على تمديد مهمة القوات وسحبها خلال عام 2027، حيث ترى دول أوروبية، ومن بينها بريطانيا، أن الانسحاب المتسرع "يُخاطر بخلق بيئة أمنية يستغلها حزب الله".
وأكد مصدر أوروبي لـ"يورو أكتيف" أنه "لا توجد خطة لاستبدال مهمة اليونيفيل؛ فليس هناك إرادة بين الدول الأعضاء ولا قدرة"، وهذا يعني أن أي وجود دولي مستقبلي سيكون مختلفاً جذرياً.
مبادرة أوروبية لملء الفراغ
في تطور لافت، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، خلال قمة فرنسية - إيطالية عقدت في أنتيب أمس الخميس، عن رغبتهما في إنشاء "تحالف دولي متعدد الجنسيات" ليحل محل اليونيفيل بعد انتهاء ولايتها في ديسمبر/كانون الأول المقبل.
وبينما وصفت صحيفة "لوموند" هذه الخطوة بأنها محاولة لتعزيز السيادة اللبنانية ومنع التصعيد الإقليمي، رأت وكالة "أنسا" الإيطالية أنها تعكس رغبة روما وباريس في قيادة المرحلة الانتقالية.
وأكدت ميلوني، أن "إيطاليا وفرنسا يمكنهما إحداث فرق حقيقي لتجنب فراغ أمني خطر"، مشددة على ضرورة وجود إطار قانوني دولي وولاية أكثر وضوحاً مما كانت عليه اليونيفيل في سنواتها الأخيرة.
من جانبها، أشارت صحيفة "لوريان لوجور" اللبنانية الناطقة بالفرنسية إلى أن هذه المبادرة تحظى بدعم إسباني واضح؛ ما يعزز الإجماع الأوروبي حولها.
فرصة ضيّقة وشروط صعبة
تقول أستاذة العلوم السياسية في مركز CERI بمعهد سيانس بو باريس، كيارا روفّا، إنه "يمكن لمجلس الأمن تفكيك اليونيفيل وإسناد دور أكبر لمجموعة المراقبين العسكريين في لبنان (OGL)، وهي مهمة أممية أصغر حجماً بكثير".
كما تشير إلى أنه "قد تتحوّل مرافق اليونيفيل إلى مبانٍ للدولة اللبنانية تُمركز فيها القوات المسلحة اللبنانية، لكن الأمر يتوقف في نهاية المطاف على نوايا إسرائيل، فإن كانت الغاية الإبقاء على الاحتلال، فقد تستولي القوات الإسرائيلية على هذه المواقع".
أما ريموند مورفي، وهو ضابط سابق في اليونيفيل وأستاذ في المركز الأيرلندي لحقوق الإنسان بجامعة غولواي، فيؤكد لـ"ديفنس نيوز": "على الأرجح ستشكّل قرارات مجلس الأمن 1701 و1559 العمود الفقري لأي ترتيب مستقبلي في جنوبي لبنان"، وكلا القرارين يدعوان إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح جميع الجماعات المسلحة.
وبينما يرى محللو "معهد الشرق الأوسط (MEI)" أن نهاية اليونيفيل قد تكون فرصة لإعادة ضبط التوازنات، شريطة التزام الحكومة اللبنانية بنزع سلاح الفصائل غير النظامية، حذر مركز (DIIS) للأبحاث من "فراغ السلام" الذي قد ينجم عن الانسحاب المفاجئ دون بديل أمني قوي.
الآثار المترتبة والسيناريوهات المستقبلية
ويرصد "DIIS" جملة من العقبات البنيوية التي ستواجه أي قوة بديلة: ما لم تستصحب عملية نزع السلاح حوافز مرتبطة بإعادة الإعمار وضمانات إقليمية، ستبقى غير واقعية، فضلاً عن أن مغادرة اليونيفيل ستُخلّف فجوة في حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، ما قد يُعرّض السكان لمخاطر متزايدة، ويُعقّد وصول الإغاثة الدولية، لا سيما إذا تجددت المواجهات أو انهار الحكم المحلي.
كما رأى المركز أن غياب دور روسيا والصين عن أي بعثة بديلة محتملة، يظل مصدر قلق آخر؛ إذ تمتلك موسكو حق النقض في مجلس الأمن، وقد تُعرقل أي تفويض جديد.
كذلك نقلت "دويتشه فيله" تحليلات تشير إلى أن أي مهمة أوروبية جديدة ستواجه تحديات ميدانية هائلة، خاصة في ظل انهيار الدولة اللبنانية.
وحذر "مجلس العلاقات الخارجية (CFR)" من أن غياب اليونيفيل قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة بين إسرائيل وحزب الله، ما لم ينجح التحالف الأوروبي المقترح في فرض سلطة الدولة على كامل أراضيها.
اختبار حقيقي للقيادة الأوروبية
ومن خلال المقترح الجديد يبدو أن أوروبا، بقيادة فرنسا وإيطاليا وبدعم من إسبانيا، تسعى لفرض واقع جيوسياسي جديد في الشرق الأوسط، يتجاوز البيروقراطية الأممية نحو "دبلوماسية الفعل.
لكن نجاح هذا التحالف في ملء الفراغ سيعتمد على قدرته على بناء مؤسسات أمنية لبنانية قوية، وهو ما تعتبره صحيفة "فاينانشال تايمز" اختباراً حقيقياً للقيادة الأوروبية في عالم متعدد الأقطاب.