المصدر: نداء الوطن
الكاتب: زياد البيطار
الثلاثاء 13 كانون الثاني 2026 07:12:12
تعد فنزويلا اليوم، بفعل الصراعات السياسية والاقتصادية التي تعصف بها، نقطة محورية للمصالح الدولية والإقليمية المتشابكة. ففي الوقت الذي يعاني فيه شعبها من أزمة اقتصادية خانقة على الرغم من سقوط نظام الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو، تواصل حكومته الاعتماد على شبكات سرية من رجال الأعمال، والميليشيات المسلحة، والقوى الأجنبية لدعم بقائها في السلطة. أبرز هذه الشبكات هي تلك المرتبطة بإيران و "حزب الله"، التي تعمل في الخفاء، مستفيدة من الفوضى الاقتصادية لتوسيع نفوذها في أميركا اللاتينية والعالم.
صعود أليكس صعب
أليكس صعب، رجل الأعمال اللبناني الذي وُلد في كولومبيا في أسرة من أصول لبنانية، أصبح أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بشبكة النفوذ المالي والسياسي في فنزويلا. وُلد صعب في مدينة بارانكيا الكولومبية، حيث أسس والده شركة "Textiles Saab" في قطاع النسيج وحقق نجاحًا ملحوظًا في هذا المجال. تلقى أليكس تعليمه في المدرسة الألمانية في بارانكيا قبل أن ينتقل إلى عالم الأعمال مبكرًا. في سن الثامنة عشرة، بدأ في بيع منتجات ترويجية للشركات، ثم توسع إلى تجارة الأزياء والملابس المهنية.
مع مطلع الألفية، بدأت رحلة صعب نحو التأثير الاقتصادي، حيث أسس شبكة من شركات التصدير في كولومبيا، استفادت من النظام الفنزويلي الخاص بسعر الصرف، وتحديدًا من نظام "CADIVI" الذي يسمح بتخصيص العملات الأجنبية وفقًا لسعر الصرف الحكومي. ومع مرور الوقت، ظهر اسم صعب كأحد أبرز رجال الأعمال الذين استفادوا من النظام الفنزويلي، رغم أن التحقيقات الصحافية لاحقًا أظهرت تورطه في أنشطة مشبوهة تتعلق بغسل الأموال والتهريب.
دخل صعب السوق الفنزويلي بقوة عام 2009، عبر عقد حكومي ضخم لبناء 25 ألف وحدة سكنية، حيث استُخدم النظام الاقتصادي الفنزويلي لتوفير تمويل بأسعار غير واقعية، وهو ما وصفته تقارير صحافية بأنه مشروعات مبالغ فيها. تزامن ذلك مع علاقات وثيقة نشأت بينه وبين أقطاب النظام الفنزويلي، خاصة مع أبناء زوجة الرئيس نيكولاس مادورو، والمعروفين باسم "لوس تشاموس"، إلى جانب نائب الرئيس الفنزويلي الأسبق طارق العيسمي.
منذ 2011، تعززت علاقات صعب مع الطبقات الحاكمة في فنزويلا. ففي تلك الفترة، وقع عقدًا بقيمة 685 مليون دولار لبناء منازل مسبقة الصنع ضمن برنامج "الرسالة الكبرى للإسكان". ورغم نفي محاميه أي صلة مباشرة له بالشركة المنفذة، فإن التقارير الصحافية كشفت أنه تلقى 159 مليون دولار مقابل استيراد مواد بناء لم يتم تسليمها بالكامل، ما أثار شكوكًا كبيرة حول شفافية هذه الصفقات.
شبكة صعب الغامضة
رغم محاولات إغلاق التحقيقات التي أجريت في دول مثل كولومبيا والإكوادور بشأن غسل الأموال عبر صادرات وهمية تتجاوز قيمتها 130 مليون دولار، ظهر المزيد من الأدلة على تداخل أعمال صعب مع عمليات فساد وغسيل أموال على مستوى دولي. كانت هذه الشركات تستخدم أساليب معقدة لتهريب الأموال عبر وسطاء في دول أخرى مثل تركيا والإمارات، حيث تم تحويل الأصول الرقمية (مثل البيتكوين) عبر هذه الشبكات المظلمة. وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن صعب كان قادرًا على الوصول إلى محافظ رقمية تحتوي على ما يصل إلى 60 مليار دولار من عملة البيتكوين، ما يعكس حجم العمليات المالية السرية التي يديرها.
مشروع كاساندرا
وبحسب "فاينناشيال تايمز" البريطانية قال جاك كيلي، عميل متقاعد من إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية DEA الذي ساعد في قيادة التحقيق — المعروف باسم "مشروع كاساندرا" — إن الوكالة وجدت أن عناصر "حزب الله" تم تزويدهم بجوازات سفر فنزويلية، بينما قدمت شركة الطيران الفنزويلية الحكومية Conviasa دعمًا لوجستيًا للجماعة.
بدأ مشروع كاساندرا في عام 2008 للتحقيق في أنشطة تشمل تهريب المخدرات، وتهريب الأسلحة وغسل الأموال. وقال كيلي إنه حوالي عام 2010، علمت DEA بوجود شحنات كوكايين تُرسل على رحلات Conviasa إلى دمشق، بالإضافة إلى شحنات كبيرة من العملات الصعبة.
وأضاف كيلي: "كان الهدف من ذلك إرسالها إلى صيارفة مرتبطين بـ"حزب الله" في لبنان. هذا لم يكن ليحدث بدون علم الشافيزيين".
وقال روجر نورييغا، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون نصف الكرة الغربي، في عام 2012 إن Conviasa كانت تشغل رحلات منتظمة من كاراكاس إلى دمشق وطهران "موفرة لإيران، و"حزب الله"، ومهربي المخدرات المرتبطين بهم وسيلة سرية لنقل الأشخاص. وكذلك وبحسب الصحيفة البريطانية قدمت شكوى إلى محكمة فدرالية أميركية ضد منصة تداول العملات الرقمية Binance في كانون الأول الماضي معلومات عن مهربين وغاسلي أموال مرتبطين بـ"حزب الله" في فنزويلا، قاموا بتحويل عشرات الملايين من الدولارات عبر المنصة. وأكدت Binance في ردها أنها تلتزم بالكامل بـ "قوانين العقوبات المعترف بها دوليًا".
أيمن جمعة
وفي أحد أهم النتائج التي توصل إليها مشروع كاساندرا، تم الكشف عن روابط بين مسؤول رفيع المستوى في "حزب الله" وزعيم مخدرات لبناني مقيم في مديلين، اسمه أيمن جمعة، ومرتبط عضويا بالحزب.
جمعة متهم بإدارة واحدة من أكبر وأعقد شبكات تهريب المخدرات وغسل الأموال الدولية التي شملت كولومبيا وفنزويلا، والتي رأت DEA أنها من الأكثر تعقيدًا على الإطلاق.
عادل الزباير
وقال روجر نورييغا، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون نصف الكرة الغربي في عام 2012، إن Conviasa كانت تشغل رحلات منتظمة من كاراكاس إلى دمشق وطهران "موفرة لإيران، وحزب الله، ومهربي المخدرات المرتبطين بهم وسيلة سرية لنقل الأشخاص، والأسلحة، والبضائع والمواد الأخرى."
وقد وُجهت تهم إلى عادل الزباير، الحليف المقرب من مادورو، من قبل وزارة العدل الأميركية عام 2020 بتهم تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، واتُهم بعلاقات مع "حزب الله"، بما في ذلك ظهوره في فيديوهات دعائية للجماعة.
توفيق اللو
أظهر تحقيق لصحيفة فايننشال تايمز في كانون الأول أن حسابات مشفرة مقرها فنزويلا تعاملت مع محافظ رقمية مرتبطة لاحقًا بتوفيق اللو، السوري الخاضع لعقوبات أمريكية والمتهم بنقل أموال غير قانونية لحزب الله، والحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وشركة مرتبطة بنظام الأسد في سوريا.
وقالت منصة Binance إنها تنفي هذه الادعاءات وتلتزم تمامًا بـ "قوانين العقوبات المعترف بها دوليًا، بما يتوافق مع المؤسسات المالية الأخرى."
الذهب مقابل النفط
في عام 2020، فرضت إيران نفسها كلاعب رئيسي في أزمة فنزويلا من خلال تزويد البلاد بالوقود ومساعدات تقنية لتطوير مصافي النفط. تم تفعيل اتفاقيات لتبادل الذهب مقابل الوقود، حيث كانت إيران تقدم الوقود مقابل شحنات من الذهب الفنزويلي، مما عزز الروابط بين البلدين رغم العقوبات الدولية المفروضة عليهما.
شخصيات أخرى
• ماجد خليل مجذوب: رجل الأعمال اللبناني - الفنزويلي، الذي يمتلك عدة شركات في فنزويلا والولايات المتحدة وبنما. كان له دور محوري في دعم نظام مادورو عبر شبكات تجارية معقدة شملت عمليات غسل أموال وتهريب أسلحة ومخدرات، ما جعل اسمه يظهر في العديد من التحقيقات الدولية.
• خالد خليل مجذوب: شقيق ماجد خليل، الذي عمل أيضًا ضمن هذه الشبكات، وزاد من تعميق العلاقة بين النظام الفنزويلي و "حزب الله".
• غازي نصر الدين: دبلوماسي فنزويلي سابق في دمشق، كان مسؤولًا عن تجنيد الفنزويليين من أصول عربية لتلقي التدريب في معسكرات "حزب الله" في لبنان. ولعب نصر الدين، الذي كان ينسق بين فنزويلا و "حزب الله"، دورًا أساسيًا في تسهيل الأنشطة اللوجستية التي تربط "الحزب" بشبكة الدعم المالية والسياسية في فنزويلا.
• طارق العيسمي: نائب الرئيس الفنزويلي الأسبق للشؤون الاقتصادية، الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بـ "حزب الله". وكان للعيسمي دور في تسهيل التعاون بين فنزويلا و "حزب الله" في تهريب الأسلحة، والمخدرات، وتوفير الأموال. كما إنه كان يدير عمليات منح جوازات سفر لفنزويليين من أصول لبنانية إيرانية وسورية تسهل سفرهم إلى وجهات مختلفة بما فيها أميركا الشمالية (وكان لافتًا تحويل أسماء الأشخاص من: حسن و حسين و علي إلى بيدرو و بابلو و أليخاندرو).