المصدر: نداء الوطن
الكاتب: ألان سركيس
الجمعة 29 آب 2025 07:09:10
تعتبر الخطوات التي تتخذها الدولة اللبنانية بجمع السلاح الفلسطيني تاريخية. والأهمّ هو حصولها بدعم ومباركة السلطة الوطنية الفلسطينية. وكان يمكن لحركة "فتح" وضع الشروط والعراقيل، لكنّ الوعي الذي تمتلكه، ويفتقده من يدور في فلك محور "الممانعة"، دفع الأخيرة إلى اتخاذ خطوات فعليّة على الأرض.
تبقى الشرعية هي الملجأ الأوّل والأخير لكلّ الشعوب، ولو بقي قطاع غزة تحت حكم السلطة الوطنية الفلسطينية، لما حلّت بشعبه الكوارث التي تحصل حاليًا. وأثبتت التجارب أنّ الدبلوماسية قد تكون فعّالة أكثر من المدفع بمئات المرّات.
تؤكّد الدولة اللبنانية أن لا تراجع عن قرار حصرية السلاح، سواء الفلسطيني أم اللبناني. وبالنسبة إلى السّلاح الفلسطيني، فقد سقطت أسباب وجوده. ولعب نظام الأسد دورًا سلبيًا خلال وجوده في لبنان مانعًا تسليم السلاح، وحاول شقّ حركة "فتح" من ثمّ دعم فصائل فلسطينية تتبع له، وأكمل "حزب اللّه" سياسة الأسد واستخدم بعضًا من السلاح لتبرير وجود سلاحه.
وللمرّة الأولى، يوجد قرار حازم من الدولة اللبنانية لإنهاء البؤر المسلّحة حيث يجلب هذا السلاح الضرر للفلسطينيين قبل غيرهم، ويُضاف إليه موقف السلطة الفلسطينية. وتحظى هذه العملية بحاضنة عربية ودوليّة، إذ إنّ السلطة الفلسطينية تنتمي إلى المحور العربي الذي يريد للبنان استعادة سيادته والقضاء على المظاهر المسلّحة.
وإذا كانت مهمّة جمع السلاح الفلسطيني انطلقت من مخيّم برج البراجنة واستكملت أمس، إلّا أنها ستطول كلّ المخيّمات الفلسطينية من دون استثناء، من مخيّمات العاصمة والضواحي مرورًا بالجنوب وصولًا إلى الشمال والبقاع، وبما أنّ حركة "فتح" اتخذت القرار بتسليم السلاح فهذا يعني أنّ الجزء الأكبر من الترسانة العسكرية سيسلّم لأنّ "فتح" تشكّل الأغلبية الساحقة من القوى الموجودة في المخيّمات.
ويبقى انتظار ما ستفعله حركة "حماس"، فهذه الحركة تنسّق مع "حزب اللّه" إضافة إلى فصائل فلسطينية أخرى تدور في فلكها. لكن ما يدعو إلى التفاؤل هو عدم وجود حضور قويّ للحركة داخل المخيّمات وعدم تشكيلها وزنًا عسكريًا كبيرًا.
حاولت حركة "حماس" وبعض المنظمات الفلسطينية إطلاق صواريخ من الجنوب بعد توقيع وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني الماضي. وواجهت الدولة اللبنانية هذا الأمر بتحذير شديد بعد اجتماع المجلس الأعلى للدفاع وهدّدت باتخاذ خطوات عقابيّة تجاه "حماس" في حال استمرّت بخرق السيادة اللبنانية وتعريض الأمن اللبناني للخطر.
لا يمكن للأجهزة الأمنية الوثوق كثيرًا بما قد تخطّط له "حماس" وبما يمكن أن تفعله. لذلك، تبقى العين الأمنية ساهرة عليها. وما يدعو إلى الخوف هو عدم تواجد مراكز "حماس" الحسّاسة داخل المخيّمات الفلسطينية. بل تشير كلّ المعطيات إلى أنّ "حماس" تتخذ من بعض الشقق في بيروت والضاحية والشمال والجنوب مركزًا لتخطيطها وتحرّكها.
ويساعد "حزب اللّه" و "الجماعة الإسلامية" الحركة في تحرّكاتها ونشاطاتها. وانطلاقًا من كلّ هذا، يجب عدم استكمال خطوة جمع السلاح الفلسطيني من داخل المخيّمات، والانتقال إلى القضاء على كلّ مراكز وتجمّعات "حماس" خارج المخيّمات الفلسطينية. وهذه المراكز تشكّل الخطر الداهم لأنه منها قد تنطلق التحرّكات العسكرية وقد تفتعل أحداثًا في الجنوب تؤدّي إلى توتر الوضع وتجدّد نيران الحرب.
أن يأتي تحرّك الدولة متأخرًا خير من ألا يأتي أبدًا. هذه العبارة تشكّل توصيفًا للحالة اللبنانية التي وصلتها. فبعد حرب "الإسناد" شرّع "حزب اللّه" أبواب الجنوب أمام كلّ الميليشيات ومن ضمنها حركة "حماس"، وكانت الدولة اللبنانية تتفرّج وقتها على فقدان سيادتها. وأظهرت كلّ الأحداث أنّ "حماس" تملك ترسانة عسكرية وصاروخية تستطيع استخدامها ساعة تشاء. وانطلاقًا من كل هذه المخاطر، هناك أسئلة تطرح عن سبب بقاء قياديي "حماس" في لبنان وعدم ترحيلهم، ولماذا لا يوضع حدّ لتحرّكهم، وهل قرار مصادرة سلاح "حماس" خارج المخيّمات يخضع أيضًا للحوار أو ينتظر تسليم "حزب اللّه" سلاحه؟